رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
425
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم ، مردود إليكم ، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للَّه تعالى زبانيتين ؛ فإنّ ذلك كمالها ، وتتوهّم أنّ عدمها نقصان لمن لم يتّصف بهما ، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللَّه تعالى » انتهى كلامه صلوات اللَّه عليه وسلامه . « 1 » وهذه الرواية نقلها الشيخ بهاء الملّة والدِّين في شرح الأربعين . هذا ، ومن كان حصول معرفته من طريقٍ آخر على غير الوجه الذي ذكرناه ، فمحمولاته على حسب معرفته ، إن خيراً فخيراً ، وإن شرّاً فشرّاً ، فلو فرض أنّه عرفه سبحانه من جهة الرؤية - مثلًا - كان المحمول المناسب الطويلَ والقصيرَ والأبيضَ والأحمرَ وأمثالَها ، ولو فرض أنّه عرفه سبحانه من جهة اللمس كان المناسب الخشنَ والليّن ، وعلى هذا القياس في سائر الحواسّ ، ولو فرض المعرفة من جهة النقل فبحسب ما نقل ، فإن كان المنقول المعرّفُ الصفاتِ الذاتيّةَ ، نُظر إلى أنّها هل هي من شأنها الحصول للناقل بإحدى الحواسّ ، فالمحمولات المناسبة بحسبها أو لا ، فهي صفاتُ إقرارٍ أو تقديساتٌ أو تنزيهات ، وإن كان الصفات المعروف بها الصفاتِ الفعليّةَ - أي صفاتٍ لها تعلّق بالأفعال ، سواء اذعن بها من جهة النقل ، أو من مشاهدة الآثار - فلا تدلّ على مبادٍ متغايرة مع اللَّه سبحانه ؛ لأنّ أمر اللَّه تعالى لا يُقاس بأمور خلقه ، فلعلّ ذاته الأقدس - الذي ليس كمثله شيء بأنّه هو - مبدأ لمفهومات متغايرة ظهرت غاياتها في الآفاق والأنفس ، ولم يكن هناك لها مبادٍ غيرُ الذات بلا شوب كثرة ، فيرجع الأمر إلى أنّ الأسماء الحسنى لم تزل في علم اللَّه تعالى بلا كيف ، أي كانت منكشفةً له في الأزل بلا صورة ومثال ، وهو تعالى مستحقّ لها بنفس ذاته ، وباستحقاق كلّ منها صحّ لنا أن ننفي عنه مقابله ، ففائدة حمل تلك الصفات [ عليه ] تعالى أمران ليس إلّا : أحدهما إظهار التصديق باستحقاقه تعالى بنفس ذاته المقدّسة ، المستلزم لنفي مقابلاتها عنه . والثاني الإذعان بغاياتها في أفعاله التي في عالم الملكوت كما في أفعاله التي في عالم المُلك ؛
--> ( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن ميثم ، ج 4 ، ص 388 ؛ مشرق الشمسين ، ص 398 ؛ بحار الأنوار ، ج 69 ، ص 293 ، ذيل ح 23 .