رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

409

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

وزعم أنّه وصل إلى كنهه . قوله عليه السلام : « ولا صمد صمده » أي لا قصد نحوه من أشار إليه إشارةً حسّيّة ، أو الأعمّ منها ومن الوهميّة والعقليّة . وفي مجالس المفيد رحمه الله : « من أشار إليه بشيء من الحواسّ » . قوله عليه السلام : « مَن بعّضه » أي حكم بأنّ له أجزاءً وأبعاضاً فهو في عبادته لم يتذلّل للَّه‌تعالى ، بل لمن عرفه ، وهو غيره . قوله عليه السلام : « مَن توهّمه » أي من تخيّل له في نفسه صورة أو هيئة وشكلًا ، أو المعنى أنّه كلّ ما يصل إليه عقول العارفين فهو غير كنهه تعالى . قوله عليه السلام : « كلّ معروف بنفسه مصنوع » أي كلّ ما يعلم وجوده ضرورةً بالحواسّ من غير أن يستدلّ عليه بالآثار فهو مصنوع ، أو كلّ ما هو معلوم بكنه الحقيقة إمّا بالحواسّ أو الأوهام والعقول فهو مصنوع مخلوق ؛ إمّا لما ذكر أنّ كنه الشيء إنّما يعلم من جهة أجزائه ، وكلّ ذي جزء فهو مركّب ممكن ، وإمّا لما مرّ من أنّ الصورة العقليّة تكون أفراداً لتلك الحقيقة ، فيلزم التعدّد ، وهو يستلزم التركيب . ويُحتمل أن يكون المعنى : أنّ الأشياء إنّما تعلم بصورها الذهنيّة ، والمعروف بنفسه هو نفس تلك الصورة ، وهو حالّ في محلّ ، والحالّ في المحلّ حادث ممكن محتاج ، فكيف يكون كنهَ حقيقة الباري سبحانه ؟ فيكون قوله : « وكلّ قائم في سواه معلول » كالدليل عليها ، وعلى الأوّلين يكون نفياً لحلوله تعالى في الأشياء وقيامه بها . ويؤيّد المعنى الأوّل قوله عليه السلام : « بصنع اللَّه يستدلّ عليه » . قوله عليه السلام : « وبالفطرة تثبت حجّته » أي بأن فطرهم وخلقهم خلقةً قابلةً للتصديق والمعرفة والإذعان والاستدلال عليه ، وبتعريفهم في الميثاق ، وفطرهم على ذلك التعريف ، وقد مرّ بيانه في باب الدِّين الحنيف . ويُحتمل أن يكون المراد هنا أنّ حجّته تمام على الخلق بما فطر وابتدع من خلقه . قوله : « خلقة اللَّه الخلق » أي كونه خالقاً وأنّ الخالق لا يكون بصفة المخلوق ويكون مبايناً له في الصفات صار سبباً لاحتجابه عن الخلق ، فلا يدركونه بحواسّهم ولا عقولهم . والحاصل أنّ كماله ونقصَ مخلوقِيهِ حجاب بينه وبينهم . قوله عليه السلام : « ومباينته إيّاهم » أي مباينته تعالى إيّاهم ليس بحسب المكان ، حتّى يكون هو في