رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

410

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

مكان وغيره في مكان آخر ، بل إنّما هي بأن فارق أينيّتهم ، فليس له أين ومكان ، وهم محبوسون في مطمورة « 1 » المكان . أو المعنى : أنّ مباينته لمخلوقِيهِ في الصفات صار سبباً لأن ليس له مكان . قوله عليه السلام : « وأدوه إيّاهم » أي جعلهم ذوي أداة يحتاجون إليها في الأعمال من الأعضاء والجوارح وسائر الآلات دليل على أنّه ليس فيه شيء منها ؛ لشهادة الأدوات فيما نشاهده في المادّين بفاقتهم واحتياجهم إليها ، وهو منزّه عن الاحتياج . أو المعنى أنّ الأدوات - التي هي أجزاء للمادّين - تشهد بفاقتهم إلى موجد ؛ لكون كلّ ذي جزء محتاجاً ممكناً ، فكيف يكون فيه تعالى ؟ ! قوله عليه السلام : « فأسماؤه تعبير » أي ليست في ذاته وصفاته ، بل هي معبّرات عنها ، وأفعاله تفهيم ليعرفوه ، ويستدلّوا بها على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته . قوله عليه السلام : « وذاته حقيقة » أي مكنونة عالية لا تصل إليها عقول الخلق ؛ بأن يكون التنوين للتعظيم والتبهيم ، أو خليقة بأن يتّصف بالكمالات دون غيرها ، أو ثابتة واجبة لا يعتريها التغيّر والزوال ؛ فإنّ الحقيقة ترد بتلك المعاني كلّها . وفي بعض نسخ التوحيد : « حقاقة » أي مثبتة موجدة لسائر الحقائق . قوله عليه السلام : « وكنهه تفريق بينه وبين خلقه » لعلّ الغرض بيان أنّه لا يشترك في ذاتيٍّ مع الممكنات بأبلغ وجه ، أي كنهه يفرَّق بينه وبينهم ؛ لعدم اشتراكه معهم في شيء . ويُحتمل أن يكون المعنى أنّ غاية توحيد الموحّدين ومعرفتهم نفي صفات الممكنات عنه . والحاصل عدم إمكان معرفة كنهه ، بل إنّما يعرف بالوجوه التي ترجع إلى نفي النقائص عنه كما مرّ تحقيقه . ويؤيّد الأوّل قوله عليه السلام : « وغيوره تحديد لما سواه » فالغيور إمّا مصدر ، أو جمع غير ، أي كونه [ مغائراً له تحديدٌ لما سواه ، فكلّ ما سواه ] مغايراً له في الكنه . ويُحتمل أن يكون المراد بقوله : « ما سواه » ما لم يكن من توابعه أصلًا ، لا جزءاً له ولا صفةً ، أي كلّ ما هو غير ذاته فهو سواه ، فليس له جزءاً ولا صفةً زائدة . قوله عليه السلام : « من استوصفه » أي من طلب وصف كنهه ، وسأل عن الأوصاف والكيفيّات

--> ( 1 ) . المطمورة : حفرة ، أو مكان تحت الأرض قد هيّئ خفيا ، يطمر فيه طعام أو مال . العين ، ج 7 ، ص 424 ( طمر ) .