رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
344
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
وقوله : « فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء » أي إذا اتّصف بالمشيّة بعد ما لم يكن بذاته شائياً ومناطاً للمشيّة ، كان الذي شاء - أي وُجد - متعلّق المشيّة ، وترتّب وجوده على المشيّة بشروط الترتّب على وفق استدعائها لوجوده وترجيحها له . قوله : « [ و ] عِلْمُ اللَّهِ السابِقُ المشيّة » « 1 » أي علم اللَّه هو الذي يسبق المشيّةَ ويتقدّمها ، ويحتمل إعمال « السابق » ونصب « المشيّة » ؛ وإضافة « السابق » إلى « المشيّة » من باب « الضارب الرجل » . وللكلام وجهٌ آخر لا يخلو عن بُعد ، وهو كون « السابق » صفةً لقوله « 2 » « علم اللَّه » و « المشيّة » خبراً له ، ويكون المعنى : علم اللَّه السابق إلى المعلوم - وترجيح وجوده من حيث هو سابق إليه ، ومرجّح له بما يلحقه بعدما لم يكن بذاته مناطاً لهذه الجهة كما هو بذاته مناط للعلم - هو المشيّة . انتهى . « 3 » أقول : أكثر إطلاق المشيّة في الأخبار على المشيّة الفعليّة ، أي الإحداث أو تيسير أسباب الوجود ، اختياريّةً كانت أو غير اختياريّة ، ولعلّ ذلك لأنّ أفهام أكثر مخاطبي الأئمّة عليهم السلام كانت قاصرةً عن فهم المشيّة الذاتيّة فهماً لا يوقعهم في المفاسد ، مثل القول بالميل وهيجان الشوق في اللَّه تبارك وتعالى ، والقول بالأصول الأزليّة ذات الخواصّ واللوازم الداعية للَّهتعالى [ إلى ] أفعال مخصوصة ، وعدم ابتنائها على الحكمة والتدبير ، وإحالة السعادة والشقاء إلى البخت والاتّفاق ، كما يقول الشاعر : « تا يار كِرا خواهد وميلش به كه باشد » . والقرآن المجيد - زاده اللَّه شرفاً - لمّا لم يكن أكثر آياته الكريمة ملقاةً إلى عموم الناس ، بل إلى من انزل إليه والراسخين في العلم ، قد أشير فيه إلى المشيّة الذاتيّة حيث قال عزّ من قائل : « يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ » « 4 » و « يَحْكُمُ ما يُرِيدُ » . « 5 » وهذا الحديث يمكن أن يُحمل [ على ] أنّه من الأحاديث التي أريد فيها بالمشيّة المشيّةُ الفعليّة ، ولمّا كان الخطاب مع عامّة الناس استدلّ على الحدوث ، والفرق بينها
--> ( 1 ) . في الكافي المطبوع : « للمشيّة » . ( 2 ) . ما أثبتناه من المصدر ، وفي المخطوطة : « لكونه » . ( 3 ) . الحاشية على أصول الكافي للميرزا رفيعا ، 367 - 368 . ( 4 ) . إبراهيم ( 14 ) : 27 . ( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 1 .