رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
330
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
وقوله عليه السلام : « الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره » ناظرٌ إلى قوله تعالى : « يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » ، فدلّ الحديث على أنّ الراسخين في العلم لا يقتحمون في المتشابهات ، بل يقتصرون على الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره ، وعلى قول : إنّا آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا ، والاعتراف بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً ، ورسوخهم في العلم هو ترك التعمّق فيما لم يكلَّفوا البحث عن كنهه . ومقتضى هذا أن يكون « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » مبتدأ و « يَقُولُونَ » خبره ، ويصحّ الوقف على اللَّه ، ويكون كلّ من يقرّ ويعترف الإقرارَ والاعترافَ المذكورين ويكفّ نفسه عن الاقتحام المذكور داخلًا في الراسخين المذكور في الآية . وفي رواية هشام المذكورة في أوّل كتاب العقل : « يا هشام ، ثمّ ذكر اولي الألباب بأحسن الذِّكْر ، وحلّاهم بأحسن الحِلْية ، فقال : « يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ » « 1 » إلى قوله : وقال : « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » . « 2 » ومقتضى هذا أيضاً الوقف على اللَّه كما لا يخفى ، ومقتضى الأخبار التي جاءت عن الأئمّة الأطهار - سلام اللَّه عليهم - في أنّهم هم الراسخون في العلم الوقفُ على العلم ، وعدمُ حصول الرسوخ لآحاد الامّة . والجمع بأن يحمل الرسوخ تارةً على الثبات والاستقرار في علم التأويل بأن لا يأوِّلوا المتشابهات بالظنّ والتخمين والرأي والاجتهاد التي يلزمها التزلزل والانتقال من قول إلى قول ، بل بتعليم وتوقيف من اللَّه تعالى . وعلى هذا المعنى كان الوقف على العلم و « يَقُولُونَ » استئناف أو حال وضمير « بِهِ » للكتاب « كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » أي محكمه ومتشابهه . والرسوخ بهذا المعنى مختصّ بالنبيّ وآله الأطهار ، سلام اللَّه عليهم . وفي باب أنّ الراسخين هم الأئمّة عليهم السلام : « فرسول اللَّه صلى الله عليه وآله أفضلُ الراسخين في العلم ، قد عَلَّمَه اللَّهُ عزّوجلّ جميع ما أنزَلَ عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان اللَّه لِيُنْزِلَ عليه شيئاً لم يُعَلِّمُهُ تأويلَه ، وأوصياؤُهُ من بعده يعلمونه كُلَّه ، والذين لا يعلمون تأويلَه إذا
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 269 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 7 .