رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
167
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتّى أنكروا خلق الأشياء ، وادّعوا أنّ كونها بالإهمال ، لا صنعة فيها ولا تقدير ، ولا حكمة من مدبّر ولا صانع ، تعالى اللَّه عمّا يصفون ، وقاتلهم اللَّه أنّى يؤفكون ، فهم في ضلالهم وعَمْيهم بمنزلة عُمْيان دخلوا داراً قد بُنيت أتقنَ بناءٍ وأحكمَه ، وفُرشت بأحسن الفراش وأفخره ، واعدَّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس التي يحتاج إليها ولا يستغنى عنها ، ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير ، وحكمة من التدبير ، فجعلوا يتردّدون فيها يميناً وشمالًا ، ويطوفون بيوتها إقبالًا وإدباراً ، محجوبةً أبصارهم عنها لا يبصرون بنية الدار وما اعدَّ فيها ، وربما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وضع موضعه ، واعدّ للحاجة إليه ، وهو جاهل بالمعنيّ فيه ولما اعدَّ ولماذا جعل كذلك ، فتذمّر « 1 » وتسخّط ، وذمّ الدار وبانيها ، فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ؛ فإنّهم لمّا غربت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء ، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى ، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته ، وحسن صنعه ، وصواب تهيئته . وربّما وقف بعضهم على الشيء لجهل سببه والإرب فيه ، فيسرع إلى ذمّه ووصفه بالإحالة والخطأ ، كالذي أقدمت عليه المانية « 2 » الكفرة ، وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال المعلّلين أنفسهم بالمحال ؛ فيحقّ على من أنعم اللَّه
--> ( 1 ) . تذمّر هو : لام نفسه ، أو تغضّب . لسان العرب ، ج 4 ، ص 311 ( ذمر ) . ( 2 ) . في المصدر : المنانيّة . وفي البحار : « المانويّة » وقال في البحار : « والمانويّة : فرقة من الثنويّة أصحاب ماني ، الذيظهر في زمان سابور بن أردشير ، وأحدث ديناً بين المجوسيّة والنصرانيّة ، وكان يقول بنبوّة المسيح على نبيّنا وآله وعليه السلام ، ولا يقول بنبوّة موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام ، وزعم أنّ العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين ؛ أحدهما نور ، والآخر ظلمة ، وهؤلاء ينسبون الخيرات إلى النور ، والشرور إلى الظلمة ، وينسبون خلق السباع والمؤذيات والعقارب والحيّات إلى الظلمة ؛ فأشار إلى فساد وهمهم بأنّ هذا لجهلهم بمصالح هذه السباع والعقارب والحيّات التي يزعمون أنّها من الشرور التي لا يليق بالحكيم خلقها » . بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 61 . وللمزيد راجع : الملل والنحل للشهرستاني ، ج 2 ، ص 81 ؛ مروّج الذهب ، ج 1 ، ص 155 ؛ الفهرست ، ص 456 ؛ الفرق بين الفرق ، ص 162 و 207 ؛ الآثار الباقية للبيروني ، ص 207 .