رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
168
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
عليه - بمعرفته ، وهداه لدينه ، ووفّقه لتأمّل التدبير في صنعة الخلائق ، والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التعبير بالدلالة القائمة الدالّة على صانعها - أن يُكثر حمد اللَّه مولاه على ذلك ، ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه ؛ فإنّه جلّ اسمه يقول : « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ » « 1 » » . هذا ما ذكره عليه السلام في الديباجة . وأنا أذكر بعدُ من المطالب ما هو شرح وتفصيل لأحوال كلّ واحدة من دلائل الربوبيّة التي ذكرت في الآية ، وذلك في فصول : فصل : في بديع خلقة السماوات قال عليه السلام في المجلس الرابع من الكتاب : « قد شرحت [ لك ] يا مفضّل خلق الإنسان وما دبّر به وتنقّله في أحواله وما فيه من الاعتبار ، وشرحت لك أمر الحيوان ، وأنا أبتدئ الآنَ بذكر السماء والشمس والقمر والنجوم والفلك والليل والنهار والحرّ والبرد والرياح والجواهر الأربعة - : الأرضِ ، والماء ، والنار ، والهواء - والمطر والصخر والجبال والطين والحجارة والمعادن والنبات والنخل والشجر ، وما في ذلك من الأدلّة والعِبر . فكِّر يا مفضّل في لون السماء وما فيه من صواب التدبير ؛ فإنّ هذا اللون أشدّ الألوان موافقةً للبصر وتقوية ، حتّى أنّ من صفات الأطبّاء لمن أصابه شيء أضرّ ببصره إدمانَ النظر إلى الخضرة وما قرب منها إلى السواد ، وقد وصف الحُذّاق منهم لمن كان كَلَّ بصرُه الإطلاعَ في إجّانة « 2 » خضراء مملوءةٍ ماءً ؛ فانظر كيف جعل اللَّه - جلّ وتعالى - أديم السماء بهذا اللون الأخضر إلى السواد ليمسك الأبصار المتقلّبة عليه فلا ينكأ فيها بطول مباشرتها له ، فصار هذا الذي أدركه الناس بالفكر والرويّة والتجارب يوجد مفروغاً عنه في الخلقة حكمة بالغة « 3 » ليعتبر بها المُعتبِرون ، ويُفكِّر فيها الملحدون ، قاتلهم اللَّه أنّى
--> ( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 7 . ( 2 ) . الإجّانة : إناء تغسل فيه الثياب . لسان العرب ، ج 13 ، ص 8 ( أجن ) . ( 3 ) . « حكمة بالغة » بالرفع خبر مبتدأ محذوف ، أو بالنصب بالحاليّة ، أو بكونه مفعولًا لأجله . بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 111 .