رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
154
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
والأئمّة عليهم السلام ، وإلّا لكان مقتضى الأسلوب : « ونصرهم بالبيان » بل المراد بها دقائق الصنع ، ولطائف التدبير المودعة في أجزاء العالم ، كما ورد في خطبةٍ من خطب أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال : « فصارَ كلُّ ما خَلَقَ حُجّةً له ودليلًا عليه ، وإن كانَ خَلقاً صامتاً فحُجَّتُه بالتدبير ناطقةٌ ، ودلالتُه على المُبْدِع قائمةٌ » الخطبة . « 1 » ولمّا كانت العقول هي المدركة لتلك اللطائف والدقائق ، وهي الحاكمة بحجّيّتها ، صَحَّ أنّ الحجج كملت بالعقول . ثمّ اعلم أنّه إنّما يقال : « أكمل لهم الحجّة » إذا كان الغرض إيضاحَها لينتفعوا بها في الإذعان عند الدعوة ، والإلزام عند المخاصمة ، فإذن يكون المراد بالناس مَن علم اللَّه تعالى انتفاعهم بالحجج ، وسبقت لهم من اللَّه الحسنى ، ولو كان الغرض إيضاحَها لقطع العذر وسدّ باب الاعتلال لقيل : « أتمّ عليهم الحججَ » لا أكمل لهم ، ويشهد بذلك - مضافاً إلى الاعتبار - تتبّعُ موارد الاستعمال . وقوله عليه السلام : « ونصر النبيّين » على تقدير الفعليّة ، معناه أنّه سبحانه أعان أنبياءه على المعاندين عند محاجّتهم إيّاهم بإعطاء البيانات الوافية الملزمة ، كما قال عزّ من قائل : « وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ » « 2 » . ويحتمل أن يكون مصدراً مجروراً بالعطف على العقول ، والبيان متعلّقاً به ، والمعنى أنّ اللَّه تعالى أوضح الحجج لطالبي الحقّ بالعقول الصحيحة التي أعطاهم ليدركوا بها حجّيّتها ، وبنصر النبيّين إيّاهم بالبيانات المنبّهة عليها لكي لايغفلوا عنها . وفي خطبةٍ من خطب نهج البلاغة : « فبعث فيهم رُسُلَه ، وواتَرَ إليهم أنبياءَه ، لِيَستأدوهم ميثاقَ فطرته ، ويُذَكِّروهم مَنسِيَّ نعمته ، ويَحتَجّوا عليهم بالتبليغ ، ويُثيروا لهم دفائنَ العقولِ ، ويُروهم آثار القدرة « 3 » من سَقفٍ فوقَهم مَرفوعٍ ، ومهادٍ تَحتَهُم موضوعٍ » الخطبة . « 4 »
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، ص 125 ، الخطبة 91 . ( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 83 . ( 3 ) . في المصدر : « آيات المَقدرة » . ( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 43 ، الخطبة 1 .