العلامة المجلسي
468
بحار الأنوار
الصحيفة الثانية والعشرون صحيفة الدنيا تفكروا في هذه الدنيا التي تفتن بزبرج زخاريفها ، وتخدع بحلاوة تصاريفها ولذاتها ، شبيهة بنور الورد المحفوف بالشوك الكثير ، فهو ما دام زاهرا يروق العيون ويسر النفوس ، وهو مع ذلك ممتنع بالشوك المقرح يد متناولة ، فإذا مضت ساعات قليلة ، انتثر الزهر ، وبقي الشوك ، كذلك الدنيا الخائنة الفانية ، فان حياتها متعقب بالموت ، وشبابها صائر إلى الهرم ، وصحتها محفوفة بالمرض ، وغناها متبوع بالفقر ، وملكها معرض للزوال ، وعزها مقرون بالذل ، ولذاتها مكدرة بالشوائب ، وشهواتها ممتزجة بمضض النوائب ، شرها محض ، وخيرها ممتزج ، من حبي منها بشئ من شهواتها لم يخل من غصص مراراتها ، وخوف عقوباتها ، وخشية تبعاتها ، وما يعرض في الحال من آفاتها . هذه حال فاز من سعد بها ، فما تقول فيمن لم يحظ بطائل منها ، الصحيح فيها يخاف السقم ، والغني يخشى الفقر ، والشاب يتوقع الهرم ، والحي ينتظر الموت ، من اعتمد عليها واستنام إليها كان مثل المستند إلى جبل شاهق من الثلج يعظم في العيون عرضه وطوله وسمكه ، فإذا أشرقت شمس الصيف عليه ذاب غفلة وسال ، وبقى المستند إليه والمستذري له بالعراء ، فكذلك مصير هذه الدنيا إلى زوال واضمحلال ، وانتقال إلى دار غيرها ، لا يقبل فيها إلا الايمان ولا ينفع فيها إلا العمل الصالح ، ولا يتخلص فيها إلا برحمة الله ، من هلك فيها هوى ، ومن فاز فيها علا وهي مختلفة دائمة . الصحيفة الثالثة والعشرون صحيفة البقاء سيعود كل شئ إلى عنصره ، ويضمحل كل ما ترون بأسره ، ويشمل الفناء ويزول البقاء ، فلا يبقى باق إلا من كان بقاؤه بلا ابتداء ، فان ما كان بلا ابتداء فهو بلا انتهاء ، ويخلص الامر لولي الأمر ، ويرجع الخلق إلى بارئ الخلق ، وتقوم القيامة ، وطوبى للناجين ، وويل للهالكين .