أبي الفتح الكراجكي

8

كنز الفوائد

كما حفلت هذه الفترة أيضا بضروب عديدة من المذاهب والنحل ، وبانقسام كبير في الآراء والنزعات ، في مجادلات ومناظرات عنيفة وحادة ، بصراحة وحرية ، حفظتها لنا تلك المؤلّفات التي وضعت في هذه الفترة ، والتي تبرز لنا تلك الألوان المذهبية بوضوح وعنف ، حول القدم والحدوث ، وحول الخالق وصفاته ، وحول أفعال الإنسان في الجبر والاختيار ، وحول الخلافة والإمامة وما إليها من العصمة والنصّ والاختيار ، وحول ما يراه المعتزلة من نظرية الأحوال ، ونظرية الأشاعرة حول نظرية الكسب ، وحول ما يراه الإسماعيلية والقرامطة من الباطن والظاهر ، وحول جميع هذه المواضيع الكلامية وغيرها ، التي كانت محور المناظرات العلمية والفكرية آنذاك . فقد برز في هذه الفترة من شيوخ الأشاعرة أمثال أبي بكر محمّد بن الطيب البصري المعروف بالقاضي الباقلاني المتوفّى سنة ( 403 ه ) . ومن المعتزلة القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني شيخ المعتزلة في عصره المتوفّى سنة ( 415 ه ) . وأبو الحسن البصري محمّد بن عليّ بن الطيب المتوفّى سنة ( 430 ه ) . ومن الشيعة الإماميّة الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان التلعكبري المعروف بالشيخ المفيد المتوفّى سنة ( 413 ه ) وهو عالم الشيعة في عصره . والشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي المتوفّى سنة 436 . وتلميذهما أبو الفتح الكراجكيّ المتوفّى سنة ( 449 ه ) . وفي هذه الفترة بالذات تنفس الشيعة الإماميّة الصعداء حين أخذ ينحسر عنهم الكثير من الحرمان والكبت والملاحقة ، التي عاشوها طيلة أكثر العهود الماضية ، وتنسموا شيئا من حريتهم ، واستطاعوا الإعلان عن آرائهم واتجاهاتهم ، مما لم يحظوا به في عصور سابقة . ذلك حين عطف بنو بويه على الشيعة ، وسيطروا على الخليفة في بغداد ، الذي كان مصدر ذلك الكبت والحرمان ، وتحكموا بمقدرات الدولة وبمصيرها ، وأصبح الخليفة العباسيّ دمية بين أيديهم يحركونها كيفما شاءوا