أبي الفتح الكراجكي
9
كنز الفوائد
وفي هذه الفترة بالذات أيضا ، استطاع الشيخ المفيد وتلميذه الشريف المرتضى وتلامذتهما ، أن ينشطوا للقيام بواجبهم الديني والعلمي دون خوف أو تقية ، وأن يتغلغلوا في دفع الفكرة الشيعية إلى المناطق التي كانت موصدة أمامهم من قبل ، كإيران وأكثر جهات العراق وسوريا ، وأن يبرزوا التشيع في حقيقته النقية الصافية الممدودة بالمنطق والأدلة العلمية ، وقد أخذوا على عاتقهم مهمة الدعوة الإسلامية ، وصد هجمات الملاحدة من القرامطة والغلاة وغيرهما . وكان أبو الفتح الكراجكيّ من أبرز من تحملوا المسؤولية في هذا السبيل . وكان الدور الذي قام بأعبائه مهما وخطيرا . فقد قدّر له أن يعيش في هذا الثغر الشاميّ وفي الساحل اللبناني ، ليقوم بترسيخ العقيدة الإسلامية ، والحد من النزعة الإسماعيلية ، يوم كانت فلسطين ولبنان واقعة تحت نفوذ الدولة الفاطمية ، وحين كانت الفكرة الإسماعيلية الفاطمية تعيش في أكثر بقاعها . وقد اختار الكراجكيّ مدينة طرابلس اللبنانية قاعدة لانطلاقه وعمله ، حين كان أمراء بني عمّار الشيعة يتولون حكمها ، ويسيطرون عليها . ومن هذه القاعدة - طرابلس - انطلق الشيخ الكراجكيّ يناظر ويجادل ويعلم ، بكل ما يملك من طاقة علمية وفكرية ، وصمد في وجه الموجة الإسماعيلية العارمة ، واستطاع أن يحد من نشاطها ، حتى انحسرت عن أكثر هذه المنطقة ، وحلت مكانها الفكرة الشيعية الإماميّة ، وأصبحت مذهب الأكثرية لسكان المناطق الساحلية في ذلك العهد . وشمل في نشاطه مقاومة سائر المخالفين ، كالمعتزلة والأشاعرة ، وأهل الديانات الأخرى ، كاليهود والنصارى والبراهمة وسواهم ، كما يبدو ذلك من كتبه والفصول التي أدرجها في كتابه ( كنز الفوائد ) . كل ذلك بفضل جهوده المتواصلة ، وبما كان يملكه من شدة المعارضة وروح الجدل ، ووفور : العلم ، وعمق الملاحظة ، وتنوع الثقافة ، وقوة الحجة ، وبما كان يتمتع به من وعي وإدراك ، ومن حيوية وحركة وصبر وعمل دائب .