العلامة المجلسي
11
بحار الأنوار
بالقبائل وأكثروا حتى اجتمعوا قدر ثلاثين ألفا ، وقصدوا هؤلاء ثلاثمائة في قريتهم فألجأوهم إلى بيوتها وقطعوا عنها المياه الجارية التي كانت تدخل إلى قراهم ، ومنعوا عنهم الطعام ، واستأمن اليهود إليهم فلم يؤمنوهم ، وقالوا لا إلا أن نقتلكم ونسبيكم وننهبكم . فقالت اليهود بعضها لبعض : كيف نصنع ؟ فقال لهم أمثلهم وذو الرأي منهم : أما أمر موسى عليهم السلام أسلافكم ومن بعدهم بالاستنصار بمحمد وآله ؟ أما أمركم بالابتهال إلى الله عز وجل عند الشدائد بهم ؟ قالوا : بلى ، قالوا : فافعلوا ، فقالوا : اللهم بجاه محمد وآله الطيبين لما سقيتنا فقد قطعت عنا الظلمة المياه حتى ضعف شبابنا ، وتماوت ولداننا ، وأشرفنا على الهلكة ، فبعث الله تعالى وابلا هطلا حتى ملاء حياضهم وآبارهم وأنهارهم وأوعيتهم وظروفهم فقالوا : هذه إحدى الحسنيين . ثم أشرفوا من سطوحهم والعساكر المحيطة بهم ، فإذا المطر قد أذاهم غاية الأذى وأفسد أمتعتهم وأسلحتهم وأموالهم ، فانصرف عنهم لذلك بعضهم ، وذلك أن المطر أتاهم في غير أوانه في حمارة القيظ حين لا يكون مطر ، فقال الباقون من العساكر : هبكم سقيتم فمن أين تأكلون ؟ ولئن انصرف عنا هؤلاء فلسنا ننصرف حتى نقهركم على أنفسكم وعيالاتكم وأهاليكم وأموالكم ، ونشفي غيظنا منكم فقالت اليهود : إن الذي سقانا بدعائنا بمحمد وآله قادر على أن يطعمنا وإن الذي صرف عنا من صرفه قادر أن يصرف الباقين . ثم دعوا الله بمحمد وآله أن يطعمهم فجائت قافلة عظيمة من قوافل الطعام قدر ألفي جمل وبغل وحمار موقرة حنطة ودقيقا ، وهم لا يشعرون بالعساكر فانتهوا إليهم وهم نيام ، ولم يشعروا بهم ، لان الله تعالى ثقل نومهم حتى دخلوا القرية ولم يمنعوهم وطرحوا أمتعتهم وباعوها منهم ، فانصرفوا وبعدوا وتركوا العساكر نائمة ليس في أهلها عين تطرف ، فلما بعدوا وانتبهوا ، ونابذوا اليهود الحرب وجعل يقول بعضهم لبعض الوحا الوحا ، فان هؤلاء اشتد بهم الجوع ، وسيذلون لنا قالت لهم اليهود : هيهات بل أطعمنا ربنا وكنتم نياما : جائنا من الطعام كذا وكذا ، ولو أردنا أن نقتلكم في حال نومكم لتهيأ لنا ولكنا كرهنا البغي عليكم ، فانصرفوا عنا وإلا دعونا