نورالدين علي بن أحمد السمهودي
48
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
المحراب الأول ، وكتبوا في ذلك بالرخام بروز الأمر بتجديد عمارة الحجرة الشريفة من السلطان الأشرف قايتباي - أعز الله أنصاره ! - وأن ذلك على يد الخواجا الجناب الشمسي ابن الزمن ، وتاريخ العمارة المذكورة ، كل ذلك مكتوب بالرخام في أعلى محراب الأسطوانة المذكورة ، ثم لما جاء الحريق الحادث بعد تمام هذا التأليف أزال ذلك كله ، ثم اقتضى رأيهم عند بناء الدعائم التي اتخذوها للقبة المحاذية لأعلى الحجرة والعقود التي خلفها إبدال هذه الأسطوانة بدعامة اتخذوا فيها محرابا . وهذه الأسطوانة آخر الأساطين التي ذكر لها أهل التاريخ فضلا خاصا ، وإلا فجميع سواري المسجد الشريف لها فضل ؛ ففي البخاري من حديث أنس قال : لقد أدركت كبار أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يبتدرون السواري عند المغرب ، قال ابن النجار : فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يستحب الصلاة عندها ؛ لأنه لا يخلو أن كبار الصحابة صلوا إليها ، والله أعلم . الفصل الثامن في الصّفة وأهلها ، وتعليق الأقناء لهم بالمسجد وصف الصفة وموضعها قال عياض : الصفة - بضم الصاد وتشديد الفاء - ظلة في مؤخر مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، يأوي إليها المساكين ، وإليها ينسب أهل الصّفة على أشهر الأقاويل . وقال الحافظ الذهبي : إن القبلة قبل أن تحوّل كانت في شمالي المسجد ، فلما حوّلت القبلة بقي حائط القبلة الأعلى مكان أهل الصفة . وقال الحافظ ابن حجر : الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل ، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر . وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا على المائة ، وقد أخرج أبو نعيم في الحلية من مرسل الحسن قال : بنيت صفّة في المسجد لضعفاء المسلمين . وقال المجد نقلا عن الدارقطني : الصفة هي ظلة كان المسجد في مؤخرها ، ثم قال المجد : وذكر ابن جبير في رحلته عند ذكر قباء قال : وفي آخر القرية تلّ مشرف يعرف بعرفات يدخل إليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة ، وكأن هذا وهم ، والله أعلم . قلت : يظهر من قول عياض فيما قدمناه عنه « على أشهر الأقوال » أن في ذلك خلافا ؛ فيكون ما ذكره ابن جبير أحد الأقوال ، لكنه مرجوح أو مؤول بأن من ذكر من أهل الصفة اتخذوا تلك الدار بعد ، فاشتهرت بذلك .