نورالدين علي بن أحمد السمهودي
49
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
أهل الصفة وقد روى ابن سعد في مرسل يزيد بن عبد الله بن قسيط : كان أهل الصفة ناسا فقراء لا منازل لهم ، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره . وروى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال : لما كثرت المهاجرون بالمدينة ولم يكن لهم دار ولا مأوى أنزلهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم المسجد ، وسماهم أصحاب الصفة ، فكان يجالسهم ويأنس بهم . وأسند يحيى عن فضالة بن عبيد قال : كنا نصلي مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فيخر قوم من قامتهم من الخصاصة « 1 » ، حتى يقول الأعرابي : مجانين ، وهم أهل الصفة ، فإذا صلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أتاهم فوقف عليهم ، فقال : لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فقرا وحاجة . وفي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال مرة : من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس - الحديث . وفيه من حديث أبي هريرة قال : لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوه ، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ، ومنها ما يبلغ الكعبين ، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته . وفيه من حديث أبي هريرة أيضا أنه كان يقول : والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ، ولقد قعدت يوما في طريقهم الذي يخرجون منه ، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا يستتبعني ، فمر ولم يفعل ، ثم مر بي أبو القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ، ثم قال : أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : الحق ، فمضى فتبعته ، فدخل فاستأذن ، فأذن لي ، فدخلت فوجدنا لبنا في قدح ، فقال : من أين هذا اللبن ؟ فقالوا : أهداه لك فلان أو فلانة ، قال : أبا هر ، قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي ، وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد ، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ، ولم يتناول منها شيئا ، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها ، فساءني ذلك ، فقلت : وما هذا اللبن في أهل الصفة ؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها ، فلما جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم ، وما
--> ( 1 ) الخصاصة : سوء الحال والفقر والحاجة .