نورالدين علي بن أحمد السمهودي

94

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

بحجارة الحرم ، انتهى . وهي محتملة لما قررناه ، وقد نقل النووي عدم جواز الأكل في الأواني المعمولة من تراب الحرم ، على ما قاله الدميري ، ولا شك أنه إنما عنى به المنع منه لمن أخرجها من الحرم كما لا يخفى . الثامنة : حكم نقل تراب الحرم المدني جزم النووي بتحريم نقل تراب الحرم المدني وأحجاره ، اكتفاء بما ذكره من الخلاف في الحرم المكي ، وصحح فيه التحريم ، والرافعي الكراهة ، ونقلها النووي عن كثيرين أو الأكثرين ، ونقلها القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي في القديم ، ونقل التحريم عن نصه في الجامع الكبير ؛ وقال في الأم في حجارة الحرم وترابه : لا خير في أن يخرج منها شيء إلى الحل ، لأن له حرمة باين بها ما سواها من البلدان ، فلا أرى - والله أعلم - أن جائزا لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان ؛ إذ يصير كغيره . وروى الشافعي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما كراهة ذلك . قال الشافعي : وقال غير واحد من أهل العلم : لا ينبغي أن يخرج من الحرم شيء إلى غيره . وحكى الشافعي عن أبي يوسف أنه قال : سألت أبا حنيفة عن ذلك فقال : لا بأس به . قال أبو يوسف : وحدثنا شيخ عن رزين مولى علي بن عبد الله بن عباس أن عليا كتب إليه أن يبعث إليه بقطعة من المروة « 1 » فيتخذه مصلى يسجد عليه ، ونقل القاضي أبو الطيب عن الشافعي أنه قال : رخص بعض الناس في ذلك ، واحتج بشراء البرام من مكة ، وهو غلط ؛ فإن البرام ليست من حجارة الحرم ، بل تحمل من مسيرة يومين وثلاثة من الحرم ، وحكى في شرح المهذب اتفاق الأصحاب على أن الأولى أن لا يحمل تراب الحل وأحجاره إلى الحرم ؛ لئلا يحدث لها حرمة لم تكن ، قال : ولا يقال « إنه مكروه » مع إطلاقه في الروضة والمناسك كراهته ، فكأنه أراد بها معنى خلاف الأولى . وقول صاحب البيان « قال الشيخ أبو إسحاق : لا يجوز إدخال شيء من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم » محمول على نفي الإباحة بمعنى استواء الطرفين ، كما وقع مثله في مواضع ، وبناء آدم البيت من أجبل ليست من الحرم كلبنان وطور سيناء : إما لأن تحريم الحرم إنما تعلق حكمه وظهر على لسان إبراهيم عليه السلام ، وإما لأن شرعه اقتضى ذلك ، مع أن الظاهر استثناء نقل حجارة الحل لمصلحة يقتضيها الحال ، وما نقله أهل السير من أنهم كانوا يأخذون من تراب قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأمرت عائشة رضي الله عنها بجدار فضرب عليهم ، لا متمسك فيه ؛ إذ لم يعرف الفاعل ، بل الظاهر أنه ممن لا يحتج بفعله ، وأمر عائشة بضرب الجدار يقتضي المنع من

--> ( 1 ) المرو : حجارة بيض رقاق برّاقة تقدح منها النار .