نورالدين علي بن أحمد السمهودي

95

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

ذلك ، على أنه ليس فيه أنه كان يؤخذ للنقل من الحرم ، وقد نقل أبو المعلى السبتي - وكذا خليل والتادلي المالكيون - كلام النووي في المنع من نقل تراب الحرم وأقروه ؛ فالظاهر أنه جار على قواعدهم ؛ إذ منها سد الذرائع . وقد قيل في سبب عبادة الأصنام : إن بعضهم كان يصحب معه الحجر من الحرم ليتبرك به ، واستشكله البرهان بن فرحون بأمور : منها ما تقدمت الإشارة إلى جوابه ، ومنها الإجماع على نقل ماء زمزم واستهداء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له من سهيل بن عمرو فبعث إليه منه ، وجوابه أن ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم ، مع أنه يخلف ؛ فأشبه الحشيش الذي يخلف ، ولهذا قال الشافعي : فأما ماء زمزم فلا أكره الخروج به ، والماء ليس بشيء يزول ولا يعود ، انتهى . مع أن المحذور المتقدم في الأحجار لا يتوقع مثله في الماء ؛ إذ المقصود من نقله شربه وهو ظاهر ، بخلاف الحجر وشبهه ؛ فإن القصد التبرك به ، وهو شيء لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولذا أقول : إن من نقل من فخار الحرم كالكراريز « 1 » لحاجة استعمالها جاز له ، ويحمل كلام من أطلق المنع على ما يراد للتبرك أو مع عدم الحاجة إليه ، وإذا جاز أخذ حشيش الحرم للتداوي فهذا أولى ، وإذا كان الاحتياج إلى آنية الذهب والفضة يجوّز استعمالها فهذا أولى ، فإن أريد نقل ذلك لحاجة متوقعة في المستقبل فينبغي تخريجه على ما تقدم في أخذ نبات الحرم للدواء ونحوه ، وقد قدمنا فيما جاء في ترابه استثناء تربة صعيب لما جاء فيها من التداوي ، وأن الزركشي استثنى تربة حمزة رضي الله عنه لإطباق الناس على نقلها للتداوي بها من الصداع ، وحكى البرهان ابن فرحون عن الإمام العالم أبي محمد عبد السلام بن إبراهيم بن ومصال الحاحاني ، قال : نقلت من كتاب الشيخ العالم أبي محمد صالح الهزميري قال : قال صالح بن عبد الحليم : سمعت أبا محمد عبد السلام بن يزيد الصنهاجي يقول : سألت أحمد بن يكوت عن تراب المقابر الذي كان الناس يحملونه للتبرك هل يجوز أو يمنع ؟ فقال : هو جائز ، وما زال الناس يتبركون بقبور العلماء والشهداء والصالحين ، وكان الناس يحملون تراب قبر سيدنا حمزة بن عبد المطلب في القديم من الزمان . قال ابن فرحون عقبه : والناس اليوم يأخذون من تربة قريبة من مشهد سيدنا حمزة ، ويعملون منها خرزا يشبه السبح ، واستدل ابن فرحون بذلك على جواز نقل تراب المدينة ، وقد علمت مما تقدم أن نقل تربة حمزة رضي الله عنه إنما هو للتداوي ؛ ولهذا لا يأخذونها من نفس القبر ، بل من المسيل الذي عنده المسجد « 2 » ، ولئن صح مشروعية التبرك بتراب قبور

--> ( 1 ) الكراريز : أكواز ضيقة الرأس . واحدها : كراز . ( 2 ) المسيل الذي من جهة أحد ، لا من القبلة .