نورالدين علي بن أحمد السمهودي
36
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
الصرف عن الظاهر ؛ لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قصد به الدعاء للدار التي تكون هجرته إليها ، فطلب من الله أن يصيرها أحب البقاع إليه تعالى ، والحب من الله تعالى إنالة الخير والتعظيم للمحبوب ، وهذا يمكن تجدده بعد أن لم يكن ، وقوله : « إن مكة خير بلاد الله وأحبها إليه » محمول على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قاله في بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة ، فلما طالت إقامته صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة وأظهر الله دينه ، وتجدد لها ما سيأتي من الفضائل حتى عاد نفعها على مكة ، فافتتحها الله وسائر بلاد الإسلام منها ؛ فقد أنالها الله تعالى وأنال بها من الخير ما لم ينله غيرها من البلاد ، وظهر إجابة الدعوة الكريمة ، وأنها صارت خير أرض الله وأحبها إليه بعد ذلك ، ولهذا لم يعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مكة بعد فتحها . فإن قيل : إنما لم يعد إليها لأن الله افترض عليه المقام بدار هجرته . قلنا : لم يكن الله ليفترض عليه المقام بها إلا وهي أفضل ؛ لكرامته عنده ، وقد حثّ صلّى اللّه عليه وسلّم على الاقتداء به في سكناها والإقامة بها ، وقال : « والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » . فإن قيل : قال التقي الفاسي : ظن بعض أهل عصرنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن مكة خير بلاد الله » حين خرج من مكة للهجرة ، وليس كذلك ؛ لأن في بعض طرق الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ذلك وهو على راحلته بالحزورة ، وهو لم يكن بهذه الصفة حين هاجر ؛ لأن الأخبار تقتضي أنه خرج من مكة مستخفيا ، ولو ركب بالموضع المشار إليه - وهو الذي يقول له عوام مكة عزوة - لأشعر ذلك بسفره . قلنا : جاء في رواية لابن زبالة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين أمره الله بالخروج قال : « اللهم إنك أخرجتني » الحديث ، وقد وقع في رواية لابن حبان في حديث الهجرة « فركبا - يعني هو وأبو بكر - حتى أتيا الغار - وهو ثور - فتواريا فيه » وسيأتي في أحاديث الهجرة ما يقتضي أنهما توجها إلى الغار ليلا بعد أن ذرّ صلّى اللّه عليه وسلّم ترابا على رؤوس جماعة من الكفار كانوا يرصدونه ، وقرأ أوائل يس يستتر بها منهم ، فلم يروه ، فلا يمتنع أن يكون راكبا في هذا الموضع . وأما أمر مزيد المضاعفة لمسجد مكة ، فجوابه أن أسباب التفضيل لا تنحصر في المضاعفة ، ألا ترى أن فعل الصلوات الخمسة للمتوجه إلى عرفات وظهر يوم النحر بمنى أفضل من فعلها بمسجد مكة ، وإن اشتمل فعلها بالمسجد على المضاعفة إذ في الاتّباع ما يربو عليها ، ولهذا قال عمر رضي الله عنه بمزيد المضاعفة لمسجد مكة كما سيأتي مع قوله بتفضيل المدينة ، وغايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل ، ويؤيد ذلك ما سيأتي مع أن المضاعفة تعم الفرض والنفل ، وأن النفل بالبيت أفضل ، على أنه إن أريد بالمسجد الحرام في حديث المضاعفة الكعبة فقط كما ستأتي الإشارة إليه ، فالجواب أن الكلام فيما