نورالدين علي بن أحمد السمهودي

37

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

عداها ، مع أن دعاءه صلّى اللّه عليه وسلّم للمدينة بضعفي ما بمكة من البركة ، ومع البركة بركتين شامل للأمور الدينية والدنيوية ، وقد يبارك في العدد القليل فيربو نفعه على الكثير ، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة لأكثرية المدعو به لها من البركة الشاملة . ولا يرد على ما قررناه ما جاء في فضل الكعبة الشريفة ؛ إذ الكلام فيما عداها ، ولهذا روى مالك في الموطأ أن عمر رضي الله عنه قال لعبد الله بن عياش المخزومي : أنت القائل لمكة خير من المدينة ؟ فقال عبد الله : هي حرم الله وأمنه ، وفيها بيته ، فقال عمر : لا أقول في حرم الله ولا في بيت الله شيئا ، ثم قال عمر : أنت القائل لمكة خير من المدينة ؟ فقال عبد الله : هي حرم الله وأمنه ، وفيها بيته ، فقال عمر : لا أقول في حرم الله ولا في بيت الله شيئا ، ثم انصرف ، وفي رواية لرزين : فاشتد على ابن عياش ، فانصرف . ولا يرد أيضا ما بمكة من مواضع النسك ؛ لتعلق النسك بالكعبة ، وأيضا فقد عوّض الله المدينة عن العمرة ما سيأتي في مسجد قباء ، وعن الحج ما سيأتي مرفوعا : « من خرج لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة » ، وهذا أعظم ؛ لكونه أيسر ، ويتكرر في اليوم والليلة مرارا ، والحج لا يتكرر ، ويؤخذ منه أنه يضاف إلى ما جاء في المضاعفة بمسجدها الحجة لمن أخلص قصده للصلاة . ولا يرد أيضا كونه صلّى اللّه عليه وسلّم أقام بمكة بعد النبوة أكثر من إقامته بالمدينة ، على الخلاف فيه ؛ لأن إقامته بالمدينة كان سببا في إعزاز دين الله وإظهاره ، وبها تقررت الشرائع ، وفرضت غالب الفرائض ، وأكمل الله الدين ، واستقر بها صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قيام الساعة . وقد ثبت في محبته صلّى اللّه عليه وسلّم للمدينة ما لم يثبت مثله لمكة ، وحثّ على الإقامة والموت بها ، والصبر على لأوائها وشدتها ، كما ستقف عليه ، وسيأتي حديث : « اللهم لا تجعل منايانا بمكة » وحديث : « ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها » يعني المدينة ، قالها ثلاث مرات . وقد شرع الله لنا أن نحب ما كان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يحبه ، وأن نعظم ما كان يعظمه ، وإذا ثبت تفضيل الموت بالمدينة ثبت تفضيل سكناها ، لأنه طريقه هذا ، وقد روى الطبراني في الكبير والمفضل الجندي في فضائل المدينة وغيرهما عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : أشهد سمعت - وفي رواية « لسمعت » - رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « المدينة خير من مكة » ، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن الرداد ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : كان يخطئ ، وقال أبو حاتم : ليس بقوي ، وقال أبو زرعة : ليّن ، وقال الأزدي : لا يكتب حديثه ، وقال ابن عدي : روايته ليست محفوظة ، ولهذا قال ابن عبد البر : هو حديث ضعيف ، وفيما قدمناه غنية عنه .