نورالدين علي بن أحمد السمهودي

186

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

بكذا وكذا ، قال : قد أخذتها بذلك ، قال : هي لك ، والحكمة فيه - كما أفاده بعضهم - أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أحب ألّا تكون هجرته إلا من مال نفسه ، وذكر ابن إسحاق أن الناقة التي أخذها هي الجدعاء ، وأنها كانت من إبل بني الحريش ، وكذا في رواية أخرجها ابن حبان ، وأنها الجدعاء ، وأفاد الواقدي أن الثمن كان ثمان مائة درهم ، وأن المأخوذة هي القصوى ، وأنها كانت من نعم بني قشير ، وأنها عاشت حتى ماتت في خلافة الصديق ، وكانت مرسلة ترعى في النقيع ، وفي طبقات ابن سعد أن ثمنها ثمان مائة درهم ، اشتراها أبو بكر من نعم بني قشير ، وأخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منه القصوى بثمنها ، وسيأتي من رواية يحيى الحسيني أيضا أنها القصوى ، وجاء عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أذن له في الهجرة إلى المدينة بقوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [ الإسراء : 80 ] أخرجه الترمذي وصححه هو والحاكم ، فذهب أبو بكر إلى عبد الله بن أريقط قاله ابن عقبة . وفي تهذيب ابن هشام « عبد الله بن أرقد » وفي رواية الأموي عن ابن إسحاق « ابن أريقد » وفي الغنية عن مالك اسمه « رقيط من بني الديل من كنانة » فاستأجره ، وكان هاديا خرّيتا « 1 » : أي ماهرا بالهداية ، وكان على دين الكفار . قال النووي : لا نعلم له إسلاما ، فأمره أن يأتيهما بعد ثلاث في غار ثور ، ثم انصرف رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى منزله ، فجاءه علي رضي الله عنه ، واجتمعت قريش على باب الدار ليقتلوه بزعمهم ، فقال لهم أبو جهل : لا تقتلوه حتى يجتمعوا ، يعني الخمسة من القبائل الخمس ، وجعل يقول لهم : هذا محمد كان يزعم لكم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوك العرب والعجم ، ويكون لكم في الآخرة جنات تأكلون منها ، وإن لم تتابعوه يكون له فيكم ذبح في الدنيا ، ويوم القيامة نار تحرقون فيها ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : نعم والله كذا أقول ، وكذا يكون ، وأنت أحدهم ، ثم أخذ حفنة من تراب فرماها في وجوههم ، فأخذ على أبصارهم ولم على أصمختهم فجعل على رأس كل رجل منهم ترابا وهو يقرأ أول سورة يس يستتر بها منهم إلى « فهم لا يبصرون » وتلا : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً [ الإسراء : 45 ] ثم أتى منزل أبي بكر ، فخرجا من خوخة كانت له ، وأتيا غار ثور ، وأقام المشركون ساعة ، فجعلوا يتحدثون ، فجاءهم رجل كان إذ ذاك بعيدا منهم فقال لهم : وما تنتظرون ؟ فقالوا : أن نصبح فنقتل محمدا ، قال : قبحكم الله وخيبكم ، أوليس قد خرج عليكم وجعل على رءوسكم التراب ، قال أبو جهل : أوليس هو ذاك مسجى ببرده ؟ الآن كلمنا ، فلما أصبحوا قام علي من الفراش ، فقال أبو جهل : صدقنا ذلك المخبر ، فاجتمعت قريش ،

--> ( 1 ) الخرّيت : الدليل الحاذق بالدلالة .