العلامة المجلسي
45
بحار الأنوار
كما صبر أولوا العزم من الرسل " ( 1 ) وإيجابه مثل ذلك على أوليائه وأهل طاعته ، بقوله : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " ( 2 ) فحسبك من الجواب في هذا الموضع ما سمعت ، فان شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه . ثم قال عليه السلام بعد ذكر بعض الآيات الواردة في شأنهم عليهم السلام وتأويلها : وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعملها غيره ، وغير أنبيائه وحججه في أرضه ، لعلمه بما يحدث في كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه منه ، وتلبيسهم ذلك على الأمة ، ليعينوهم على باطلهم ، فأثبت فيه الرموز وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه ، وجعل أهل الكتاب القائمين به ، العالمين بظاهره وباطنه ، من شجرة " أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها " ( 3 ) أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت وجعل أعداءها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره . ولو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها لأسقطوها مع ما أسقطوا منه ، ولكن الله تبارك اسمه ماض حكمه بايجاب الحجة على خلقه ، كما قال الله : " فلله الحجة البالغة " أغشى أبصارهم وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك ، فتركوه بحاله ، وحجبوا عن تأكيد الملتبس بابطاله ، فالسعداء ينتبهون عليه ، والأشقياء يعمهون عنه ، ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور . ثم إن الله جل ذكره بسعة رحمته ، ورأفته بخلقه ، وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كلامه ، قسم كلامه ثلاثة أقسام : فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل ، وقسما لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ، ولطف حسه ، وصح تمييزه ، ممن شرح الله صدره للاسلام ، وقسما لا يعرفه إلا الله وامناؤه والراسخون في العلم
--> ( 1 ) الأحقاف : 35 . ( 2 ) الأحزاب : 21 . ( 3 ) إبراهيم : 24 .