العلامة المجلسي
126
بحار الأنوار
بلاغة بعضهم عن بعض ، ويتفاوتون في ذلك بقدر تفاوت بلاغتهم ، فإذا تجاوز بلاغة القرآن ذلك المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبد ، وبلغت حدا لا تبلغه بلاغ أبلغهم ، ظهر كونه ناقضا للعادة ، وإنما يبين كونه كذلك ، إذا بينا أنه تحداهم بمثل القرآن ، فعجزوا عنه ، وعما يقاربه . فإذا قيل : فبماذا علمتم أن القرآن ظهر معجزة له دون غيره ، وما أنكرتم أن الله بعث نبيا غير محمد ، وآمن محمد بن ، فتلقته منه محمد ، ثم قتل ذلك النبي وادعاه معجزة لنفسه . الجواب أنا نعلم باضطرار أنه مختص به كما نعلم في كثير من الاشعار والتصانيف أنها مختصة بمن تضاف إليه كشعر امرء القيس وكتاب العين للخليل ، ثم إن القرآن ظهر منه وسمع ، ولم يجر ، في الناس ذكر أنه ظهر لغيره ، ولا جوزوه ، وكيف يجوز في حكمه الحكيم أن يمكن أحدا من ذلك وقد علم حال محمد في عزف نفسه عن ملاذ الدنيا من أول أمره إلى أواخره ، كيف يتهم بما قالوه . فان قيل : لعل من تقدم محمدا كامرء القيس وأضرابه لو عاصره لأمكنه معارضته ، قلنا : إن التحدي لم يقع بالشعر فيصح ما قلته ، وكان في زمانه صلى الله عليه وآله وقريبا منه من قدم في البلاغة من تقدم ، ولأنه ما كلفهم أن يأتوا بالمعارضة من عند أنفسهم ، وإنما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن من كلامهم أو كلام غيرهم ممن تقدمهم ، فلو علموا أن في كلامهم ما يوازي بلاغة القرآن لاتوا به ، ولقالوا إن هذا كلام من ليس بمنبئ وهو مساو للقرآن في بلاغته ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وآله ما قرأ الكتب ولا تتلمذ لاحد من أهل الكتاب ، وكان ذلك معلوما لأعدائه ، ثم قص عليهم قصص نوح ، وموسى ، ويوسف ، وهود ، وصالح ، وشعيب ولوط ، وعيسى وقصة مريم على طولها ، فما رد عليه أحد من أهل الكتاب شيئا منها ، ولا خطأوه في شئ من ذلك ، ومثل هذه الأخبار لا يتمكن منها إلا بالتبخيت والاتفاق ( 1 ) وقد نبه الله عليه بقوله " ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا
--> ( 1 ) أي الا بأن نقول بالبخت والاتفاق .