لبيب بيضون
305
موسوعة كربلاء
حتى أعانقك وتعانقني ، وأشمّ رائحتك وتشمّ رائحتي ، قبل أن يفرّق الموت بيننا . ففعل الغلامان ذلك ، واعتنقا وناما . فلما كان في بعض الليل ، أقبل ختن العجوز الفاسق ، حتى قرع الباب قرعا خفيفا . فقالت العجوز : من هذا ؟ . قال : أنا فلان . قالت : ما الّذي أطرقك هذه الساعة وليس هذا لك بوقت ؟ . قال : ويحك افتحي الباب قبل أن يطير عقلي وتنشق مرارتي في جوفي ، جهد البلاء الّذي قد نزل بي ! . قالت : ويحك ما الّذي نزل بك ؟ . قال : هرب غلامان صغيران من عسكر عبيد اللّه بن زياد ، فنادى الأمير في معسكره : من جاء برأس واحد منهما فله ألف درهم ، ومن جاء برأسهما فله ألفا درهم ، فقد أتعبت فرسي وتعبت ولم يصل في يدي شيء ! . فقالت العجوز : يا ختني غحذر أن يكون محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خصمك في القيامة ! . قال لها : ويحك إن الدنيا محرص عليها . فقالت : وما تصنع بالدنيا وليس معها آخرة ؟ . قال : إني لأراك تحامين عنهما كأن عندك من طلب الأمير شيء ، فقومي فإن الأمير يدعوك . قالت : وما يصنع الأمير بي ، إنما أنا عجوز في هذه البرية ! . قال : إنما لي الطلب . افتحي لي الباب حتى أريح وأستريح ، فإذا أصبحت فكرت في أي الطريق آخذ في طلبهما . ففتحت له الباب ، وأتته بطعام وشراب ، فأكل وشرب . فلما كان في بعض الليل سمع غطيط الغلامين في جوف الليل ، فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج ، ويخور كما يخور الثور ، ويلمس بكفه جدار البيت ، حتى وقعت يده على جنب الغلام الصغير ، فقال له : من هذا ؟ . قال : أما أنا فصاحب المنزل ، فمن أنتما ؟ . فأقبل الصغير يحرّك الكبير ، ويقول : قم يا حبيبي فقد والله وقعنا فيما كنا نحاذره . قال لهما : من أنتما ؟ . قالا له : يا شيخ إن نحن صدقناك فلنا الأمان ؟ . قال : نعم . قالا : أمان اللّه وأمان رسوله وذمة اللّه وذمة رسول اللّه ؟ . قال : نعم . قالا : ومحمد بن عبد اللّه على ذلك من الشاهدين ؟ . قال : نعم . قالا : والله على ما نقول وكيل وشهيد ؟ . قال : نعم . قالا له : يا شيخ ، فنحن من عترة نبيك محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل . فقال لهما : من الموت هربتما وإلى الموت وقعتما . الحمد لله الّذي أظفرني بكما . فقام إلى الغلامين فشدّ أكتافهما ، فبات الغلامان ليلتهما مكتّفين . فلما انفجر عمود الصبح ، دعا غلاما له أسود يقال له ( فليح ) فقال : خذ هذين الغلامين ، فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات ، واضرب أعناقهما وائتني برؤوسهما ، لأنطلق بهما إلى عبيد اللّه بن زياد ، وآخذ جائزة ألفي درهم . فحمل الغلام السيف فمضى بهما ومشى أمام الغلامين ، فما مضى إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين : يا أسود ، ما أشبه سوادك بسواد ( بلال ) .