لبيب بيضون

304

موسوعة كربلاء

لما قتل الحسين بن علي عليه السّلام أسر من معسكره غلامان صغيران . فأتى بهما عبيد اللّه بن زياد . فدعا سجانا له ، فقال : خذ هذين الغلامين إليك ، فمن طيّب الطعام فلا تطعمهما ، ومن الماء البارد فلا تسقهما ، وضيّق عليهما سجنهما . فكان الغلامان يصومان النهار ، فإذا جنّهما الليل أتيا بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح . فلما طال بالغلامين المكث حتى صارا في السنة ، قال أحدهما لصاحبه : يا أخي قد طال بنا مكثنا ، ويوشك أن تفنى أعمارنا ، وتبلى أبداننا ، فإذا جاء الشيخ فأعلمه مكاننا ، وتقرّب إليه بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لعله يوسّع علينا في طعامنا ويزيدنا في شرابنا . فلما جنّهما الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح . فقال له الغلام الصغير : يا شيخ أتعرف محمدا ؟ . قال : فكيف لا أعرف محمدا وهو نبيّي ! . قال : أفتعرف جعفر بن أبي طالب ؟ . قال : وكيف لا أعرف جعفرا وقد أنبت اللّه له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء ! . قال : أفتعرف علي بن أبي طالب ؟ . قال : وكيف لا أعرف عليا وهو ابن عم نبيّي وأخو نبيّي ! . قال : أتعرف عقيل بن أبي طالب ؟ . قال : نعم . قال له : يا شيخ فنحن من عترة نبيّك محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ونحن من ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، بيدك أسارى ، نسألك من طيّب الطعام فلا تطعمنا ، ومن بارد الشراب فلا تسقينا ، وقد ضيّقت علينا سجننا . فانكبّ الشيخ على أقدامهما يقبّلهما ، ويقول : نفسي لنفسكما الفداء ، ووجهي لوجهكما الوقاء ، يا عترة نبي اللّه المصطفى . هذا باب السجن بين يديكما مفتوح ، فخذا أي طريق شئتما ! . فلما جنّهما الليل أتاهما بقرصين من شعير وكوز من ماء القراح ، ووقفهما على الطريق ، وقال لهما : سيرا يا حبيبيّ الليل ، واكمنا النهار ، حتى يجعل اللّه عزّ وجلّ لكما من أمركما فرجا ومخرجا . ففعل الغلامان ذلك . فلما جنهما الليل انتهيا إلى عجوز على باب ، فقالا لها : يا عجوز إنا غلامان صغيران غريبان حدثان ، غير خبيرين بالطريق ، وهذا الليل قد جنّنا ، أضيفينا سواد ليلتنا هذه ، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق . فقالت لهما : فمن أنتما يا حبيبيّ ، فقد شممت الروائح كلها فما شممت رائحة هي أطيب من رائحتكما ؟ . فقالا لها : يا عجوز نحن من عترة نبيك محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، هربنا من سجن عبيد اللّه بن زياد من القتل . قالت : يا حبيبيّ إن لي ختنا [ وهو الصهر زوج البنت ] قد شهد الوقعة مع عبيد اللّه بن زياد ، أتخوّف أن يصيبكما ههنا فيقتلكما . قالا : سواد ليلتنا هذه ، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق . فقالت : سآتيكما بطعام ، ثم أتتهما بطعام فأكلا وشربا . ولما ولجا الفراش ، قال الصغير للكبير : يا أخي إنا نرجو أن نكون قد أمنّا ليلتنا هذه ، فتعال