لبيب بيضون
301
موسوعة كربلاء
وأما الغلامان فقد أكلا وشربا ، وولجا الفراش وناما . فلما كان نصف الليل أقبل الرجل صاحب المنزل واسمه الحارث بن عروة [ ويجري على بعض الألسن أنه أخو هانئ بن عروة ، وهو ليس بمعلوم ] . دخل اللعين داره وهو مغضب ، وقالت زوجته : ما الّذي نزل بك ؟ . قال : قد كنت بباب الأمير فسمعت المنادي ينادي : إن مشكور السجّان أطلق من الحبس غلامين صغيرين لمسلم بن عقيل ، من أتى بهما إلى الأمير فله جائزة سنيّة وقضاء حاجته . وإني ركبت على فرسي وركضت في جميع الشوارع والمشارع والطرق والسكك حتى انقدّ فرسي بطنه كانقداد البعير ، وسقطت عن ظهر الفرس ، وبقيت راجلا ، وأتيت من بعيد في غاية التعب مع شدة الجوع والعطش . فقالت زوجته : ويلك خف اللّه أيها الرجل ، واحذر أن يكون محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خصمك ، ولا تحرّج عليهم . فقال : اسكتي فإن الأمير يغنيني بالأموال والذهب والفضة . قومي وأحضري الطعام والشراب . فقامت وأحضرت له الطعام ، وأكل وشرب وولج فراشه . فأما الغلامان فكانا نائمين إذ انتبه محمّد وهو الأكبر ، وقال لأخيه إبراهيم : يا أخي قم حتى أقصّ عليك ما رأيت آنفا عند رقدتي ، وأظنّ أنّا نقتل عن قريب . رأيت كأن المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام وأبانا مسلما ، وهم في الجنة ، فنظر إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فبكى . فالتفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى مسلم ، وقال : كيف خلّفت ابنيك بين الأعداء ؟ ! . فقال مسلم : غدا يأتياني ويلحقان بي . فقال إبراهيم : وإني لقد رأيت كذلك . تعال حتى أعانقك وتعانقني ، وأشمّ رائحتك وتشمّ رائحتي . وأخذ كل واحد منهما يشمّ الآخر . فعند ذلك سمع اللعين غطيط الغلامين وكلامهما ، فسأل امرأته ، فلم تجبه بشيء . فقام اللعين من ساعته ، وبيده شمعة ، وجعل يدور في البيت حتى دخل على الصبيين ووقف عليهما ، وإذا بهما قد اعتنق كل واحد منهما الآخر . فقال : من أنتما وما تصنعان في هذا المكان ؟ . فقالا : نحن أضيافك ومن عترة نبيّك ، وولد مسلم بن عقيل . فقال اللعين : قد أتلفت نفسي وفرسي في طلبكما وأنتما في داري ، وجعل يضربهما ضربا شديدا . ثم شدّ أكتافهما وألقاهما في البيت . وأقبلت امرأته وجعلت تقبّل يديه ورجليه وتبكي وتتضرع ، وتقول : يا هذا ما تريد منهما ؟ وهذان غلامان صغيران يتيمان ، وهما عترة نبيك ، وهما ضيف عندنا . ؟ ! . ولم يلتفت إليها . وبقي الغلامان على تلك الحالة حتى أصبح الصباح ، فقام اللعين وحمل سلاحه وحمل معه الغلامين إلى الفرات ،