لبيب بيضون
300
موسوعة كربلاء
وكان السجّان من محبّي أهل البيت عليهم السّلام واسمه ( مشكور ) . وكان الغلامان في السجن وهما باكيان حزينان ، والسجّان لمّا عرفهما أشفق عليهما وأحسن إليهما ، وأحضر لهما الطعام والشراب ، وأخرجهما من الحبس في جوف الليل ، وأعطاهما خاتمه ، وقال : أيا ولديّ إذا وصلتما إلى ( القادسية ) عرّفا أنفسكما إلى أخي ، واعرضا عليه خاتمي علامة ، فهو يكرمكما ويوقفكما على الطريق ، بل ويوصلكما إلى المدينة . وخرج الغلامان إلى القادسية ، ومضيا في جوف الليل ، وهما غير خبيرين بالطريق . فلما أصبحا إذا هما حول الكوفة ، فخافا ومضيا إلى حديقة فيها نخيل وماء وشجر ، فصعدا على نخلة . فجاءت جارية حبشية لتستقي ماء ، فرأت عكس صورهما في الماء ، نظرت وإذا بغلامين صغيرين كأن اللّه لم يخلق مثلهما . وجعلت تلاطف بهما حتى نزلا من النخلة . وأتت بهما إلى دارها وأخبرت سيدتها بهما . فلما رأتهما [ أي سيدة الدار ] اعتنقتهما وقبّلتهما ، وقالت : يا حبيبيّ من أنتما ؟ . قالا : نحن من عترة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وولد مسلم بن عقيل . فلما عرفتهما زادت في إكرامهما ، وأحضرت لهما الطعام والشراب ، وأعتقت جاريتها سرورا بهذه العطية ، وأوصتها بأن لا يطّلع زوجها على ذلك ، لأنها كانت تعرفه بالشر . وأما عبيد اللّه بن زياد ، لما بلغه الخبر بأن مشكورا أطلق ولدي مسلم وأخرجهما من الحبس ، دعاه وقال له : ويلك أين الغلامان ؟ . قال : لما عرفتهما أطلقتهما كرامة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . فقال : أأمنت من سطوتي ؟ أما خفت من عقوبتي ! . فقال : بل خفت من عقوبة ربي . ويلك يا بن مرجانة ، قتلت أباهما وأيتمتهما على صغر سنهما ، فما تريد منهما ؟ . فغضب عبيد اللّه ودعا بالسياط ، وقال : اجلدوه خمسمائة جلدة ، واضربوا عنقه . فقال مشكور : هذا في اللّه وفي حبّ أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قليل . فجلدوه خمسمائة جلدة . وجعل يسبّح اللّه ويقدّسه ، ويقول : اللّهم أستعين بك وأطلب منك الفرج والروح والصبر ، فإني قتلت في حب أهل بيت نبيك . اللّهم ألحقني بنبيّك وآله . ثم سكت حتى ضربوه خمسمائة سوط ، وقد بلغت روحه التراقي ، فقال بضعيف صوته : اسقوني ماء . فقال ابن زياد : لا تسقوه ، بل اقتلوه عطشانا . فتقدم عمرو بن الحارث وتشفّع فيه عند ابن زياد ، وحمله إلى داره ليداويه ، ففتح مشكور عينيه ، وقال : والله لقد شربت شرابا من الكوثر ، لا أظمأ بعده أبدا . ثم فارقت روحه .