الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
92
موسوعة التاريخ الإسلامي
فلمّا رأى أنّه قد أمسى وليس معه إلّا أولئك النفر خرج متوجّها نحو أبواب كندة حتّى بلغها ومعه منهم عشرة ! ثمّ خرج من الباب والتفت فإذا هو لا يحسّ أحدا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو ، ولا يدلّه على منزل ولا يدلّه على الطريق ! فمضى على وجهه متلدّدا يتلفّت في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب « 1 » . مسلم في دار طوعة : كان للأشعث بن قيس الكندي أمّ ولد تدعى طوعة ، وكان قد أعتقها ، فتزوّجها أسيد بن مالك الحضرمي فولدت له بلالا ، وكان بلال الحضرمي قد خرج مع الناس وامّه قائمة تنتظره . وخرج مسلم إلى دور بني كندة ومشى حتّى انتهى إلى باب دار هذه المرأة ، فلمّا رآها مسلم سلّم عليها ! فردّت عليه السلام ، فكأنّه عرفها من لفظها أنّها أمة ، فقال لها : يا أمة اللّه اسقيني ماء . فدخلت ورجعت إليه بماء فسقته فشرب وجلس ، فدخلت وأدخلت الإناء ثمّ خرجت فرأته جالسا ! فقالت له : يا عبد اللّه ! ألم تشرب ! قال : بلى ! قالت : فاذهب إلى أهلك ! فسكت ! فعادت وقالت مثل القول الأول ! فسكت ، فقالت له : ( اتّق ) فيّ اللّه ! سبحان اللّه ! يا عبد اللّه ! مرّ إلى أهلك عافاك اللّه ، فإنّه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا احلّه لك ! فلمّا سمع بذلك قام وقال لها : يا أمة اللّه ! ما لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ! فهل لك إلى أجر ومعروف ! ولعلّي مكافئك به بعد اليوم ؟ ! فقالت : وما ذاك يا عبد اللّه ؟ ! قال : أنا مسلم بن عقيل ! كذبني هؤلاء القوم وغرّوني ! قالت : أنت مسلم ؟ ! قال : نعم ! قالت : فادخل . فأدخلته بيتا في دارها - غير البيت الذي تكون هي فيه وابنها - وفرشت له ، وعرضت عليه العشاء ، فلم يتعشّ .
--> ( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 371 عن أبي مخنف عن الشعبي ، والإرشاد 2 : 53 - 54 .