الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
290
موسوعة التاريخ الإسلامي
فلم تك رغبة من رغب عنهم وعن صحبتهم إلّا لمرارة الحقّ حيث جرّعوها ، ولو عورته حيث سلكوها ، وغلبت عليهم دنيا مؤثرة وهوى متّبع ! وكان أمر اللّه « قدرا » مقدورا ! وقد فارق الإسلام قبلنا جبلة بن الأيهم ( الغسّاني ) فرارا من الضيم وأنفا من الذلّة ! يا معاوية ! فلا تفخرنّ أن قد شددنا إليك الرحال وأوضعنا نحوك الركاب ، فتعلم وتنكر ! أقول قولي هذا واستغفر اللّه لي ولجميع المسلمين ! فأجابه معاوية متحلّما : يا ابن عبد اللّه ، ما أردنا أن نوردك مشرع ظماء ، ولا أن نصدرك عن مكرع رواء ! ولكن القول قد يجري بصاحبه إلى غير الذي ينطوي عليه من الفعل . ثمّ دعاه إليه حتّى أجلسه معه على سريره ! ودعا له ببرود ومقطعات أقمشة طرحها عليه وأقبل يحدثه حتّى قام ! وكان من وجوه جهينة لدى معاوية : عمرو بن صيفي وعمرو بن مرّة فخرجا معه وأقبلا عليه يلومانه لمقاله ! ولعلّه كان ذلك بإيعاز من معاوية ، فأجابهما : واللّه ما قمت بما سمعتماه حتّى خيّل إليّ أن بطن الأرض أحبّ إليّ من ظهرها ، عند إظهاره ما أظهر من البغي والعيب والنقص لأصحاب محمد صلّى اللّه عليه وآله ولمن هو خير منه في العاجلة والآجلة ، وما زهت به نفسه ، وملكه عجبه ، وعاب أصحاب رسول اللّه واستنقصهم ! ولقد قمت عنده مقاما أوجب اللّه عليّ فيه أن لا أقول إلّا حقّا ! وأيّ خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا ؟ ! ثمّ تمثل شعرا . ثمّ عمل معاوية في إطراء طارق وتعظيم أمره حتّى استلّ ما وجد في نفسه عليه . وبلغ ما قال طارق لمعاوية إلى الإمام عليه السّلام فقال فيه : لو ( كان ) يومئذ قتل أخو بني نهد لقتل شهيدا ! ولعلّه بلغه كلام الإمام فيه ، فتوافق والنجاشي فعادا إلى الإمام عليه السّلام « 1 » .
--> ( 1 ) الغارات 2 : 539 - 544 .