الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي

289

موسوعة التاريخ الإسلامي

وسأل عنه ، فأجابه : ها أنا ذا النجاشي بين يديك يا أمير المؤمنين ! إنّ الرجال ليست بأجسامها ، وإنّما لك من الرجل أصغراه : قلبه ولسانه ! ( فذهب قوله مثلا ) وكان من شعر النجاشي في صفين وصفه لفرار معاوية في أواخره وكان قد بلغه شعره وقد حفظه فسأله عنه فاعتذر أنّه إنّما قاله لأخيه عتبة بن أبي سفيان وليس له « 1 » ، فقبل عذره ! وكان معه طارق النهدي فلمّا عرفه قال له : مرحبا بالمورق غصنه المعرق أصله المسوّد غير المسود ، في أرومة لا ترام ومحلّ يقصر عنه المرام ! من رجل كانت به نبوة وهفوة لاتباعه رأس الضلالة والشبهة وصاحب الفتنة ، الذي اغترز في ركاب الفتنة حتّى استوى على رحلها ، ثمّ أوجف في عشوة ظلمتها وتيه ضلالتها ، واتبعه رجرجة من الناس ، وهنون من الحثالة ! أما واللّه ما لهم أفئدة أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 2 » . فلم يتمالك طارق النهدي دون أن قام واتكأ على سيفه وقال : يا معاوية ! إنّي متكلّم ، فلا يسخطك أوّل دون آخر ! قال : إنّ المحمود على كلّ حال ربّ علا فوق عباده ! فهم منه بمنظر ومسمع ، بعث فيهم رسولا منهم لم يكن يتلو من قبله كتابا ولا يخطّه بيمينه ، فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين رحيما . أمّا بعد ، فإنّا كنّا نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقيّ عادل ! في رجال من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أتقياء مرشدين ، ما زالوا منارا للهدى ومعلما للدين خلفا عن سلف مهتدين ، أهل دين لا دنيا ، كل الخير فيهم ، واتّبعتهم من الناس أقيال وملوك ! وأهل شرف وبيوت ، ليسوا « بناكثين » ولا « قاسطين » .

--> ( 1 ) الغارات 2 : 537 - 539 . ( 2 ) سورة محمّد : 24 .