الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

638

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الإيمان لما يدل عليه حديث المقداد وغيره : أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم . وفي رواية عند أبي يعلى ، وصححها ابن حبان : إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول : يا رب ، أرحنى ولو إلى النار « 1 » . وهو كالصريح في أن ذلك كله في الموقف . ومن تأمل الحالة المذكورة ، عرف عظيم الهول فيها ، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف ، وتدنو الشمس من الرؤوس قدر ميل ، فكيف تكون حرارة تلك الأرض ، وما ذا يرونه من العرق مع أن كل أحد لا يجد إلا قدر موضع قدميه ، فكيف يكون حال هؤلاء في عرقهم مع تنوعهم فيه . إن هذا لما يبهر العقول ، ويدل على عظيم القدرة ، ويقتضى الإيمان بأمور الآخرة ، وأن ليس للعقل فيه مجال ، ولا يعترض على ذلك بعقل ولا قياس ولا عادة ، وإنما يؤخذ بالقبول . فتأمل - رحمك اللّه - شدة هذا الازدحام والانضمام والاتساق والالتصاق ، واجتماع الإنس والجان ، ومن يجمع معهم من سائر أصناف الحيوان ، وانضغاطهم وتدافعهم واختلاطهم ، وقرب الشمس منهم ، وما يزاد في حرها ، ويضاعف في وهجها ، ولا ظل إلا ظل عرش ربك بما قدمته ، مع ما انضاف إلى ذلك من حر البأس ، لتزاحم الناس واحتراق القلوب ، لما غشيها من الكروب . ولا ريب أن هذا موجب لحصول العطش في ذلك اليوم ، وكثرة الالتهاب ، والماء ثم أعز موجود ، وأعظم مفقود ، فلا منهل مورود إلا حوض صاحب المقام المحمود - صلى اللّه عليه وسلم - وزاده فضلا وشرفا لديه ، ولا مشرب لأمته سواه ، ولا تبرد أكبادهم إلا به ، فالشربة منه كما ورد تروى الظمأ ، وتشفى من الصدى . وتذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها ولا يسقم بعدها أبدا .

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد ، وأبو يعلى ، ومن طريقه ابن حبان إلا أنهما قالا : إن الكافر . ورواه البزار والحاكم من حديث الفضل بن عيسى وهو واه عن المنكدر عن جابر ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، قاله المنذري في « الترغيب والترهيب » ( 4 / 390 ) .