الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

613

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

تعالى . ولا نسلم أن الفضل للمكان لذاته ولكن لأجل من حلّ فيه - صلى اللّه عليه وسلم - . انتهى . وقد روى أبو يعلى عن أبي بكر أنه قال : سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « لا يقبض النبيّ إلا في أحب الأمكنة إليه » . ولا شك أن أحبها إليه أحبها إلى ربه تعالى ، لأن حبه تابع لحب ربه جل وعلا ، وما كان أحب إلى اللّه ورسوله كيف لا يكون أفضل ؟ وقد قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة ، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه » « 1 » . ولا ريب أن دعاء النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أفضل من دعاء إبراهيم ، لأن فضل الدعاء على قدر فضل الداعي . وقد صح أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « اللهم حبب إلينا المدينة ، كحبنا مكة أو أشد » « 2 » . وفي رواية « بل أشد » وقد أجيبت دعوته ، حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها . وروى الحاكم أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلىّ فأسكنى في أحب البقاع إليك » « 3 » أي في موضع تصيره كذلك ، فيجتمع فيه الحبان . قيل ضعفه ابن عبد البر ، ولو سلمت صحته فالمراد : أحب إليك بعد مكة لحديث « إن مكة خير بلاد اللّه » ، وفي رواية « أحب أرض اللّه إلى اللّه » ، ولزيادة التضعيف بمسجد مكة . وتعقبه العلامة السيد السمهودي : بأن ما ذكر لا يقتضى صرفه عن ظاهره ، إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيرها اللّه كذلك . وحديث : « إن مكة خير بلاد اللّه » محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة ، وإظهار الدين ، وافتتاح البلاد منها حتى مكة ، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد ، فظهر إجابة دعوته ، وصيرورتها أحب مطلقا بعد ، ولهذا

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه مسلم ( 1373 ) في الحج ، باب : فضل المدنية ودعاء النبيّ فيها بالبركة . من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1889 ) في الحج ، باب : كراهية النبيّ أن تعدى المدينة . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 3 ) ذكره العجلوني في « كشف الخفاء » ( 555 ) وعزاه للحاكم في المستدرك ، وابن سعد في شرف المصطفى - صلى اللّه عليه وسلم - ، إلا أنى لم أقف عليه في المستدرك .