الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
614
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
افترض اللّه تعالى على نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - الإقامة بها ، وحث هو - صلى اللّه عليه وسلم - على الاقتداء به في سكناها والموت بها ، فكيف لا تكون أفضل . قال : وأما مزيد المضاعفة ، فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك ، فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة ، وإن انتفت عنها المضاعفة ، إذ في الاتباع ما يربو عليها ، ومذهبنا : شمول المضاعفة للنفل مع تفضيله بالمنزل ، ولهذا قال عمر - رضى اللّه عنه - بمزيد المضاعفة لمسجد مكة ، مع قوله بتفضيل المدينة ، ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة : تفضيل مكة . إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل ، مع أن دعاءه - صلى اللّه عليه وسلم - بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضا . وقد يبارك في العدد القليل فيربو نفعه على الكثير ، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة . وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط ، فالجواب : إن الكلام فيما عداها ، فلا يرد شيء مما جاء في فضلها ، ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها ، ولذا قال عمر لعبد اللّه بن عياش المخزومي . أنت القائل : لمكة خير من المدينة ؟ فقال عبد اللّه : هي حرم اللّه وأمنه وفيها بيته ، فقال عمر : لا أقول في حرم اللّه وبيته شيئا ، ثم كرر عمر قوله الأول ، فأعاد عبد اللّه جوابه ، فأعاد له : لا أقول في حرم اللّه وبيته شيئا ، فأشير على عبد اللّه فانصرف . وقد عوضت المدينة عن العمرة ، ما صح في إتيان مسجد قباء ، وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة النبوية والمسجد ، والإقامة بعد النبوة بالمدينة وإن كانت أقل من مكة على القول به ، فقد كانت سببا لإعزاز الدين وإظهاره ، ونزول أكثر الفرائض وإكمال الدين ، حتى كثر تردد جبريل - عليه السّلام - بها ، ثم استقر بها - صلى اللّه عليه وسلم - إلى قيام الساعة . ولهذا قيل لمالك : أيما أحب إليك المقام هنا - يعنى المدينة - أو مكة ؟ فقال : هنا ، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة ؟ !