الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
555
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
كتاب اللّه ، فاختلف أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول غير ذلك ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف ، قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « قوموا » . قال عبيد اللّه : فكان ابن عباس يقول : الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم « 1 » . قال المازري : إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب : مع صريح أمره لهم بذلك . لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب ، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم ، بل على الاختيار ، فاختلف اجتهادهم ، وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال ذلك عن غير قصد جازم . وقال النووي : اتفق العلماء على أن قول عمر : « حسبنا كتاب اللّه » « 2 » من قوة فقهه ودقيق نظره ، لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة ، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء ، وفي تركه - صلى اللّه عليه وسلم - الإنكار على عمر إشارة إلى تصويبه ، وأشار بقوله : « حسبنا كتاب اللّه » إلى قوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 3 » ، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس : « إن الرزية إلخ » لأن عمر كان أفقه منه قطعا ، ولا يقال إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن ، وأعلم الناس بتفسيره وتأويله ، ولكنه أسفا على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه ، لكونه أولى من الاستنباط ، واللّه أعلم . ولما اشتد به - صلى اللّه عليه وسلم - وجعه قال : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » ، فقالت
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 114 ) في العلم ، باب : كتابة العلم . من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 4432 ) في المغازي ، باب : مرض النبيّ ووفاته . من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما . ( 3 ) سورة الأنعام : 38 .