الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
556
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
له عائشة : يا رسول اللّه ، إن أبا بكر رجل رقيق ، إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء ، قال : « مروا أبا بكر فليصل بالناس » ، فعاودته بمثل مقالتها ، فقال : « إنكن صواحبات يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس » « 1 » . رواه الشيخان وأبو حاتم واللفظ له . وفي رواية : إن أبا بكر رجل أسيف « 2 » . وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري : فمر عمر فليصل بالناس ، قالت : قلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل بالناس ، ففعلت حفصة ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « مه ، إنكن لأنتن صواحب يوسف . مروا أبا بكر فليصل بالناس » ، فقالت حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيرا « 3 » . والأسيف : بوزن فعيل ، وهو بمعنى فاعل ، من الأسف وهو شدة الحزن ، والمراد به هنا ، رقيق القلب . ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عائشة في هذا الحديث : قال عاصم : والأسيف الرقيق الرحيم ، وصواحب : جمع صاحبة ، والمراد : أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار ما في الباطن . ثم إن هذا الخطاب ، وإن كان بلفظ الجمع ، فالمراد به واحدة وهي عائشة - رضى اللّه عنها - . ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ، ومرادها الزيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته ، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ، ومرادها زيادة على ذلك ، وهو أن لا يتشاءم الناس به . وقد صرحت هي بذلك ، كما عند البخاري في باب وفاته - صلى اللّه عليه وسلم - فقالت : لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا . وأن لا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 664 ) في الأذان ، باب : حد المريض أن يشهد الجماعة ، ومسلم ( 418 ) في الصلاة ، باب : استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر . من حديث عائشة - رضى اللّه عنها - . ( 2 ) تقدم في الذي قبله . ( 3 ) تقدم .