الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

551

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الموت لأنى رأيت بياض كف عائشة في الجنة » . وخرجه ابن سعد وغيره مرسلا : أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « لقد رأيتها في الجنة ، حتى ليهون علىّ بذلك موتى ، كأني أرى كفيها » ، يعنى عائشة . فقد كان - صلى اللّه عليه وسلم - يحب عائشة حبّا شديدا ، حتى لا يكاد يصبر عنها ، فمثلت له بين يديه في الجنة ليهون عليه موته ، فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحبة ، وقد سأله - صلى اللّه عليه وسلم - رجل فقال : « أي الناس أحب إليك ؟ » فقال : « عائشة » فقال : من الرجال : قال : « أبوها » « 1 » ، ولهذا قال لها في ابتداء مرضه لما قالت : وا رأساه : « وددت أن ذلك كان وأنا حي فأصلى عليك وأدفنك » « 2 » فعظم ذلك عليها ، وظنت أنه يحب فراقها ، وإنما - صلى اللّه عليه وسلم - يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما . ويروى أنه كان عنده - صلى اللّه عليه وسلم - في مرضه سبعة دنانير ، فكان يأمرهم بالصدقة بها ثم يغمى عليه ، فيشتغلون بوجعه ، فدعا بها فوضعها في كفه فقال : « ما ظن محمد بربه لو لقى اللّه وعنده هذه ؟ » ثم تصدق بها كلها . رواه البيهقي . انظر إذا كان هذا سيد المرسلين ، وحبيب رب العالمين المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فكيف حال من لقى اللّه وعنده دماء المسلمين وأموالهم المحرمة ، وما ظنه بربه تعالى . وفي البخاري من طريق عروة عن عائشة - رضى اللّه عنها - قالت : دعا النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فاطمة في شكواه الذي قبض فيه ، فسارّها بشيء فبكت ، ثم دعاها فسارّها فضحكت ، فسألناها عن ذلك فقالت : سارّنى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - أنه يقبض في وجعه الذي توفى فيه فبكيت ، ثم سارّنى فأخبرني أنى أول أهله يتبعه فضحكت « 3 » .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3662 ) في المناقب ، باب : قول النبيّ لو كنت متخذا خليلا . من حديث عمرو بن العاص - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 2626 ) في المناقب ، باب : علامات النبوة في الإسلام . من حديث عروة عن عائشة - رضى اللّه عنها - .