الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

543

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وما زال - صلى اللّه عليه وسلم - يعرض باقتراب أجله في آخر عمره ، فإنه لما خطب في حجة الوداع قال للناس : « خذوا عنى مناسككم ، فلعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا » وطفق يودع الناس ، فقالوا : هذه حجة الوداع « 1 » . فلما رجع - صلى اللّه عليه وسلم - من حجة الوداع إلى المدينة جمع الناس بماء يدعى « خما » في طريقه بين مكة والمدينة ، فخطبهم وقال : « أيها الناس ، إنما أنا بشر مثلكم ، يوشك أن يأتيني رسول ربى فأجيب » ، ثم حض على التمسك بكتاب اللّه ووصى بأهل بيته « 2 » . قال الحافظ ابن رجب : وكان ابتداء مرضه - صلى اللّه عليه وسلم - في أواخر شهر صفر ، وكانت مدة مرضه ثلاثة عشر يوما في المشهور . وكانت خطبته التي خطب بها المذكورة في حديث أبي سعيد الذي قدمته في ابتداء مرضه الذي مات فيه ، فإنه خرج - كما رواه الدارمي - وهو معصوب الرأس بخرقة ، حتى أهوى إلى المنبر فاستوى عليه فقال : « والذي نفسي بيده ، إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا ، ثم قال : إن عبدا عرضت عليه الدنيا » . . إلخ ، ثم هبط عنه فما رؤى عليه حتى الساعة . فلما عرّض - صلى اللّه عليه وسلم - على المنبر باختياره اللقاء على البقاء ، ولم يصرح ، خفى المعنى على كثير ممن سمع ، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به ، ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ « 3 » ، وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ، فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال : بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا ، فسكّن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - جزعه ، وأخذ في مدحه والثناء عليه على المنبر ، ليعلم الناس كلهم فضله ، فلا يقع عليه اختلاف في خلافته فقال : « إن أمنّ الناس على في صحبته وماله أبو بكر - رضى اللّه عنه - » ثم قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة التوبة : 40 .