الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
534
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الأشعري يقرأ فقال : « لقد أوتى هذا مزمارا من مزامير آل داود » « 1 » . يعنى من مزامير داود نفسه ، كما ذكره أهل المعاني . وفي طريق آخر - كما تقدم - أن أبا موسى قال : يا رسول اللّه ، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا « 2 » . قال ابن المنير : فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى من المزامير عند المبالغة في التحبير ، لأنه قد تلا مثلها وما بلغ الحد ، فكيف لو بلغ حد استطاعته . وقد كان داود - عليه السّلام - إذا أراد أن يتكلم على بني إسرائيل يجوع سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يأتي النساء ، ثم يأمر سليمان فينادى في الضواحي والنواحي والآكام والأودية والجبال : إن داود يجلس يوم كذا ، ثم يخرج له منبرا إلى الصحراء ، فيجلس عليه ، وسليمان قائم على رأسه ، فتأتي الإنس والجن والطير والوحش والهوام والعذارى والمخدرات يسمعون الذكر ، فيأخذ في الثناء على اللّه بما هو أهله ، فتموت طائفة من المستمعين ، ثم يأخذ في النياحة على المذنبين فتموت طائفة ، فإذا استجر الموت بالخلق قال له سليمان : يا نبي اللّه ، قد استجر الموت بالناس ، وقد مزقت المستمعين كل ممزق ، فيخر داود مغشيّا عليه ، فيحمل على سريره إلى بيته ، وينادى منادى سليمان : أيها الناس ، من كان له مع داود قريب أو حميم فليخرج لافتقاده ، فكانت المرأة تأتى فتقف على زوجها أو ابنها أو أخيها ، فتدخل به المدينة ، فإذا أفاق داود في اليوم الثاني قال : يا سليمان ، ما فعل عباد بني إسرائيل ؟ فيقول له سليمان : قد مات فلان وفلان وهلم جرا . فيضع داود يده على رأسه وينوح ويقول : يا ربّ داود ، أغضبان أنت على داود حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفا منك أو شوقا إليك ؟ فلا يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر ، وأقام داود - عليه السّلام - على ذلك ما شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 5048 ) في فضائل القرآن ، باب : حسن الصوت بالقراءة للقرآن ، ومسلم ( 793 ) في صلاة المسافرين ، باب : استحباب تحسين الصوت بالقرآن . من حديث أبي موسى - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : وقد تقدم .