الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
535
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
ولا تظن بما ذكرته من حال بني إسرائيل أنهم في ذلك أعلى من هذه الأمة ، فأما المزامير فحسبك ما ذكر من حال أبى موسى الأشعري - رضى اللّه عنه - ، وأما الموت من الموعظة شوقا أو خوفا فلنا فيه طريقان : أحدهما : أن نقول إن القوة التي أوتيتها هذه الأمة تقاوم الأحوال الواردة عليها فتتماسك الحياة ، فلا تفنى القوة الجسمانية بل القوة الروحانية ، والتأييدات الإلهية . فلفرط قوة هذه الأمة - إن شاء اللّه تعالى - تقارب عند سلفها الصالح ما بين حال سماع الموعظة وحال عدم سماعها ، لتوالى أحوال الذكر وأطوار اليقين . وقد قال بعضهم : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . فتماسك قوة السلف عند واردات الأحوال هو الذي فرق بينهم وبين من قبلهم . ألا ترى أن داود وسليمان - عليهما السلام - وهما أصحاب المزامير - لم يتفق لهما الموت كما اتفق لمن مات ، وما ذلك من تقصيرهما في الخوف والشوق ، ولكن من القوة الربانية التي أمدهما بها . ولا خلاف بأن داود - عليه السّلام - وإن لم يمت من الذكر أفضل ممن مات من أمته ، وأما نواحه على كونه لم يمت فذلك من التواضع الذي يزيده شرفا ، لا من التقصير عن آحاد أمته ، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى ، وإلى هذه القوة الإلهية أشار أبو بكر الصديق - رضى اللّه عنه - وقد رأى إنسانا يبكى من الموعظة فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب . عبر عن القوة بالقسوة تواضعا ، ومرتبته بحمد اللّه محفوظة ومنزلته مرفوعة . والطريق الثاني : أن نقول : قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه الأمة مثل ما اتفق في مجلس داود - عليه السّلام - من موت المستمعين للذكر في مجلس السماع قديما وحديثا ، ولأبى إسحاق الثعلبي جزء في قتلى القرآن رويناه ، وعندي من ذلك جملة أرجو تدوينها ، بل قد روي عن كثير من المريدين أنهم ماتوا بمجرد النظر إلى المشايخ ، كما حكى أن مريدا لأبى تراب النخشبى كان يتجلى له الحق تعالى في كل يوم مرات ، فقال له أبو تراب : لو رأيت أبا يزيد لرأيت أمرا عظيما ، فلما ارتحل المريد مع شيخه أبى تراب النخشبى لأبى يزيد