الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

513

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقال القشيري في « الرسالة » : اختلف أي الأمرين أولى ، الدعاء أو السكوت والرضاء ؟ فقيل الدعاء ، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة ، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار ، وقيل : السكوت والرضى أولى لما في التسليم من الفضل . انتهى . وشبهتهم : أن الداعي لا يعرف ما قدر له ، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل ، وإن كان على خلافه فهو معاند . وأجيب : بأنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر اللّه تعالى كان إذعانا لا معاندة وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر ، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء ، لأن اللّه تعالى خلق الأسباب ومسبباتها . انتهى . وقد أرشد - صلى اللّه عليه وسلم - أمته لكيفية الدعاء فقال : « إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد اللّه والثناء عليه ، وليصل على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ، ثم ليدع بما شاء » ، رواه الترمذي من حديث فضالة بن عبيد . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - في رجل يدعو : « أوجب إن ختم بأمين » « 1 » . رواه أبو داود . وقال : « لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، ولكن ليعزم على المسألة فإن اللّه لا مكره له » « 2 » ، رواه البخاري وغيره . ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه ، وأن يجزم بوقوع مطلوبه ، ولا يعلق ذلك بمشيئة اللّه تعالى ، وإن كان مأمورا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة اللّه تعالى ، وقيل معنى العزم أن يحسن الظن باللّه في الإجابة ، فإنه يدعو كريما ، وقد قال ابن عيينة : لا يمنعن أحدا الدعاء ما يعلم من نفسه ، يعنى التقصير ، فإن اللّه تعالى قد استجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال : أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ « 3 » . وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول : دعوت فلم يستجب لي » رواه الشيخان وغيرهما .

--> ( 1 ) ضعيف : أخرجه أبو داود ( 938 ) في الصلاة ، باب : التأمين وراء الإمام ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى في « ضعيف سنن أبي داود » . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6339 ) في الدعوات ، باب : ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) سورة الأعراف : 14 .