الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
439
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
على الصيام واعتاده ، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته ، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط . واعلم أنه لا تعارض بين هذا وبين النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين ، وكذا ما جاء في النهى عن صوم نصف شعبان الثاني ، فإن الجمع بينهما ظاهر ، بأن يحمل النهى على من لم يدخل تلك الأيام في صيام اعتاده . وأجاب النووي عن كونه - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكثر الصوم في المحرم ، مع قوله : « إن أفضل الصيام ما يقع فيه » ، بأنه يحتمل أن يكون ما علم ذلك إلا في آخر عمره ، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم ، أو اتفق له فيه من الأعذار كالسفر ما منعه من كثرة الصوم فيه . وأما شهر رجب بخصوصه - وقد قال بعض الشافعية : إنه أفضل من سائر الشهور ، وضعفه النووي وغيره - فلم يعلم أنه صح أنه - صلى اللّه عليه وسلم - صامه ، بل روى عنه من حديث ابن عباس ، مما صح وقفه ، أنه نهى عن صيامه ، ذكره ابن ماجة لكن في سنن أبي داود : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم ، ورجب أحدها . وفي حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال له : « صم من الحرم واترك » ، قالها ثلاثا « 1 » . وفي رواية مسلم عن عثمان بن حكيم الأنصاري قال : سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب - ونحن يومئذ في رجب - فقال : سمعت ابن عباس يقول : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم « 2 » . والظاهر : أن مراد سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهى عنه ولا ندب فيه بعينه ، بل له حكم باقي الشهور .
--> ( 1 ) ضعيف : أخرجه أبو داود ( 2428 ) في الصوم ، باب : في صوم أشهر الحرم . من حديث عجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها . والحديث ضعفه الشيخ الألبانى في « ضعيف سنن أبي داود » . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1141 ) في الجمعة ، باب : قيام النبيّ بالليل من نومه وما نسخ من قيام الليل ، ومسلم ( 1158 ) في الصيام ، باب : صيام النبيّ في غير رمضان . من حديث أنس - رضى اللّه عنه - .