الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

356

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القيامة ما أعلم ، وما بعدها . كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا ، ولقلّ ضحككم لتفكركم فيما علمتموه . وفي حديث عائشة عند البخاري . فخرج إلى المسجد ، فصف الناس وراءه ، فكبرنا فاقترأ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قراءة طويلة ، ثم كبر فركع ركوعا طويلا ، ثم قال : « سمع اللّه لمن حمده » فقام ولم يسجد ، وقرأ قراءة طويلة ، وهي أدنى من القراءة الأولى ، وزاد في رواية : « ربنا ولك الحمد » « 1 » . واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى . واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال ، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه ، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه . والجواب : إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة ، فلا مدخل للقياس فيها ، بل كل ما ثبت أنه - صلى اللّه عليه وسلم - فعله فيها كان مشروعا ، لأنها أصل برأسها . وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة ، حتى منع من زيادة الركوع فيها ، فصلاة الكسوف أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها ، مما يجمع فيه من مطلق النوافل ، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود ، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات ، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة ، فكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع ، فالآخذ به جامع بين العملين بالنص والقياس بخلاف من لم يعمل به . وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره ، ومن زيادة ركوع في كل ركعة ، وقد وردت زيادة في ذلك من طرق أخر ، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة ، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات « 2 » ، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس : أن في كل ركعة أربع ركوعات ، ولأبى داود من حديث أبي بن كعب ، والبزار من

--> ( 1 ) صحيح : وقد تقدم . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 901 ) في الكسوف ، باب : صلاة الكسوف ، و ( 904 ) باب : ما عرض على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في صلاة الكسوف من أمر الجنة .