الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
354
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فقام قياما طويلا ، نحوا من قراءة سورة البقرة ، ثم ركع ركوعا طويلا ، ثم رفع فقام قياما طويلا ، وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ، ثم رفع ، ثم سجد ، ثم قام قياما طويلا وهو دون قيام الأول ، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت الشمس ، فقال : « إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللّه » ، فقالوا : يا رسول اللّه رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ، ثم رأيناك تكعكعت ؟ قال : « إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ، ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ، ورأيت أكثر أهلها النساء » ، قالوا : بم يا رسول اللّه ؟ قال : « بكفرهن » ، قيل : أيكفرن باللّه ؟ قال : « يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط » « 1 » . رواه البخاري ومسلم . وقوله : « ورأيت الجنة والنار » قال القاضي عياض : يحتمل أنه رآهما رؤية عين ، كشف اللّه له عنهما ، وأزال الحجاب بينه وبينهما ، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه ، ويكون قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « في عرض هذا الحائط » - كما في رواية - : في جهته وناحيته ، ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحى باطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلا ما لم يعرفه قبل ذلك اليوم . قال القاضي : والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث ، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين ، كتناوله العنقود ، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار . انتهى . واستشكل قوله : « ولو أصبته » مع قوله : « تناولت » . وأجيب : بحمل « التناول » على تكلف الأخذ ، لا حقيقة الأخذ ، وقيل : المراد تناولته لنفسي ولو أخذته لكم ، حكاه الكرماني ، قال الحافظ ابن حجر : وليس بجيد ، وقيل : المراد بقوله تناولت : وضعت يدي عليه ، بحيث كنت قادرا على
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 1052 ) في الجمعة ، باب : صلاة الكسوف جماعة ، ومسلم ( 907 ) في الكسوف ، باب : ما عرض على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في صلاة الكسوف . من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما - .