الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

27

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد . وهو كإصابة السم من نظر الأفعى ، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه . وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها اللّه تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر ، وهل ثم جواهر حقيقة أو لا ؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه . ومن قال ممن ينتمى إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن فتتصل بالمعيون ، وتتخلل مسام جسمه ، فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد أخطأ بدعوى القطع ، ولكنه جائز أن تكون عادة ليست ضرورية ولا طبيعية ، انتهى . وهو كلام سديد . وليس المراد بالتأثير المعنى الذي تذهب إليه الفلاسفة ، بل ما أجرى اللّه به العادة من حصول الضرر للمعيون . وقد أخرج البزار بسنده عن جابر رفعه : « أكثر من يموت بعد قضاء اللّه وقدره بالنفس » « 1 » . قال الراوي : يعنى العين . وقد أجرى اللّه تعالى العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح ، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك ، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه . وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه . وكل ذلك بواسطة ما خلق اللّه تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين ، وليست هي المؤثرة ، وإما التأثير للروح ، والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفياتها وخواصها ، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة . والحاصل : أن التأثير بإرادة اللّه تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني ، بل يكون تارة به ، وتارة بالمقابلة ، وأخرى بمجرد الرؤية ، وأخرى بتوجه الروح ، كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى اللّه

--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في « المجمع » ( 5 / 106 ) وقال : رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو ، وهو ثقة .