الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

615

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ومنها : ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ، ثم موافقتك له سرّا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه . قال الجنيد : سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك . ومنها : سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه ، ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف ، وأنشد بعضهم : فأسكر القوم دور الكأس بينهم * لكن سكرى نشا من رؤية الساقي ومنها : سفر القلب في طلب المحبوب ، ولهج اللسان بذكره على الدوام ، أما سفر القلب في طلبه فهو الشوق إلى لقائه ، وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن من أحب شيئا أكثر من ذكره . ومنها : الميل إلى ما يوافق الإنسان ، كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة وغير ذلك من الملاذ التي لا يخلو كل طبع سليم عن الميل إليها لموافقتها له ، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسته ، أو يكون حبه لذلك لموافقته له من جهة إحسانه إليه وإنعامه عليه ، فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، كما رواه أبو نعيم في الحلية « 1 » وأبو الشيخ وغيرهما فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا فانيا منقطعا ، أو استنقذه من هلكة أو مضرة لا تدوم ، فما بالك بمن منحه منحا لا تبيد ولا تزول ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول . وإذا كان المرء يحب غيره على ما فيه من صور جميلة وسيرة حميدة ، فكيف بهذا النبيّ الكريم والرسول العظيم الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم ، المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم ، فقد أخرجنا اللّه به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وخلصنا به من نار الجهل إلى جنات المعارف والإيقان ، فهو السبب لبقاء مهجنا البقاء الأبدي في النعيم السرمدي ، فأي إحسان أجل قدرا وأعظم خطرا من إحسانه إلينا ، فلا منة - وحياته - لأحد بعد اللّه كما له علينا ، ولا فضل لبشر كفضله لدينا .

--> ( 1 ) لا أصل له : والحديث أخرجه أبو نعيم في « الحلية » ( 4 / 121 ) .