الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
616
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
فكيف ننهض ببعض شكره ، أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشره ، فقد منحنا اللّه به منح الدنيا والآخرة ، وأسبغ علينا نعمه باطنة وظاهرة ، فاستحق أن يكون حظه من محبتنا له أوفى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأموالنا وأهلينا والناس أجمعين ، بل لو كان في منبت كل شعرة منا محبة تامة له - صلوات اللّه وسلامه عليه - لكان ذلك بعض ما يستحقه علينا . وقد روى أبو هريرة أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده » « 1 » رواه البخاري . وقدم الوالد للأكثرية ، لأن كل أحد له والد ، من غير عكس ، وفي رواية النسائي تقديم الولد على الوالد وذلك لمزيد الشفقة ، وزاد في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس ( والناس أجمعين ) ، وفي صحيح ابن خزيمة : ( من أهله وماله ) بدل ( من والده وولده ) وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال ، بل ربما يكونان أعز من نفسه ، ولذا لم يذكر « النفس » في حديث أبي هريرة ، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص . قال الخطابي : والمراد بالمحبة هنا ، حب الاختيار لا حب الطبع . وقال النووي : فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة ، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - راجحا ، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس . وفي كلام القاضي عياض : أن ذلك شرط في صحة الإيمان ، لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال . وتعقبه صاحب المفهم : بأن ذلك ليس مرادا ، لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزما للمحبة ، إذ قد يجد الإنسان إعظام
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 14 ) في الإيمان ، باب : حب الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من الإيمان ، من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه - ، وأخرجه البخاري ( 15 ) فيما سبق ، ومسلم ( 44 ) في الإيمان ، باب : وجوب محبة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أكثر من الأهل والولد ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - .