الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
614
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
شأنا ليس لسائر اللغات . [ حدود قيلت في المحبة ] وهذا بعض رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها ، والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها . فمنها : موافقة الحبيب في المشهد والمغيب . وهذا موجبها ومقتضاها . ومنها : محو المحب لصفاته وإثبات المحب لذاته ، وهذا من أحكام الفناء في المحبة ، وهي أن تمحى صفات المحب وتفنى في صفات محبوبه وذاته ، وهذا يستدعى بيانا أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه . ومنها : استقلال الكثير من نفسك ، واستكثار القليل من حبيبك ، وهو لأبى يزيد ، وهو أيضا من أحكامها وموجباتها وشواهدها . والمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيا منه ، ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه . ومنها : استكثار القليل من جنايتك ، واستقلال الكثير من طاعتك . وهو قريب من الأول لكنه مخصوص بما من المحب . ومنها : معانقة الطاعة ومباينة المخالفة ، وهو لسهل بن عبد اللّه ، وهو أيضا حكم المحبة وموجبها . ومنها : أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شيء . وهو لسيدنا أبى عبد اللّه القرشي ، وهو أيضا من موجبات المحبة وأحكامها . والمراد أن تهب إرادتك وعزماتك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه ، وتجعلها حبسا في مرضاته ومحابه ، ولا تأخذ منها لنفسك إلا ما أعطاكه ، فتأخذه منه له . ومنها : أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب ، وكمال المحبة يقتضى ذلك ، فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة . ومنها : أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك . وهو للشبلى ، ومراده : احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك ممن يحبه . ومنها : غض طرف المحب عما سوى المحبوب غيرة ، وعن المحبوب هيبة ، وهذا يحتاج إلى إيضاح ، أما الأول فظاهر ، وأما الثاني : فإن غض طرف القلب عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل ، ولكن عند استيلاء سلطان المحبة يقع مثل هذا ، وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم .