الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

592

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

ولما قالوا : ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ « 1 » قال اللّه تعالى : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ « 2 » . ولما حسدته أعداء اللّه اليهود على كثرة النكاح والزوجات ، وقالوا : ما همته إلا النكاح ، رد اللّه تعالى عليهم عن رسوله ونافح عنه فقال : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً « 3 » . ولما استبعدوا أن يبعث اللّه رسولا من البشر بقولهم الذي حكى اللّه عنهم : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا « 4 » وجهلوا أن التجانس يورث التأنس ، وأن التخالف يورث التباين . قال اللّه تعالى : قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا « 5 » أي لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة ، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون رسولهم من البشر . فما أجل هذه الكرامة ، وقد كانت الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم ، ويردون على أعدائهم ، كقول نوح - عليه الصلاة والسلام - : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ « 6 » . وقول هود لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ « 7 » وأشباه ذلك .

--> ( 1 ) سورة الفرقان : 7 . ( 2 ) سورة الفرقان : 20 . ( 3 ) سورة النساء : 54 . ( 4 ) سورة الإسراء : 94 . ( 5 ) سورة الإسراء : 95 . ( 6 ) سورة الأعراف : 61 . ( 7 ) سورة الأعراف : 67 .