الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

582

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

هذه الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك ، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها ، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين ، وهو أن كل من أطاع اللّه وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى . ثم إن ظاهر قوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ « 1 » أنه يكفى الاكتفاء بالطاعة الواحدة ، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفى في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة ، لكن لا بد أن يحمل على غير ظاهره ، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات ، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار ، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة . قال الرازي : قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، وإذا ثبت هذا فنقول : قوله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ « 2 » أي في كونه إلها ، وطاعة اللّه في كونه إلها هي معرفته والإقرار بجلالته وعزته وكبريائه وصمديته ، فصارت هذه تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد : فالأول : أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراف الروح بأنوار معرفة اللّه ، فكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر ، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب ، وإلى الفوز بالنجاة أوصل . والثاني : أن اللّه تعالى ذكر في الآية السابقة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل ، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وليس المراد بكون من أطاع اللّه وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين كون الكل في درجة واحدة ، لأن هذا يقتضى التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول ، وذلك لا يجوز ، فالمراد كونهم في

--> ( 1 ) سورة النساء : 69 . ( 2 ) سورة النساء : 69 .