الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
583
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر ، وإن بعد المكان ، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا ، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقى قدروا على ذلك ، فهذا هو المراد من هذه المعية ، وقد ثبت وصح عنه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : « المرء مع من أحب » « 1 » ، وثبت عنه أيضا أنه قال : « إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا نزلتم منزلا إلا وهم معكم حبسهم العذر » « 2 » ، فالمعية والصحبة الحقيقية إنما هي بالسر والروح لا بمجرد البدن ، فهي بالقلب لا بالقالب ، ولهذا كان النجاشي معه - صلى اللّه عليه وسلم - ومن أقرب الناس إليه ، وهو بين النصارى بأرض الحبشة ، وعبد اللّه بن أبي من أبعد الخلق عنه ، وهو معه في المسجد ، وذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمرا من طاعة أو معصية أو شخص من الأشخاص فهو بإرادته ومحبته معه لا يفارقه ، فالأرواح تكون مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وأصحابه - رضى اللّه عنهم - ، وبينها وبينهم من المسافة الزمانية والمكانية بعد عظيم . وقال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ « 3 » . وهذه الآية الشريفة تسمى : آية المحبة ، قال بعض السلف : ادعى قوم محبة اللّه فأنزل اللّه آية المحبة قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي « 4 » وقال تعالى : يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 5 » إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها ، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول ، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم ، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة ، ومحبته لكم منتفية ، فجعل سبحانه اتباع رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - مشروطا بمحبتهم للّه ، وشرطا لمحبة اللّه لهم ، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه ، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة ،
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6168 و 6169 ) في الأدب ، باب : علامة الحب في اللّه عز وجل ، ومسلم ( 2640 ) في البر والصلة ، باب : المرء مع من أحب ، من حديث عبد اللّه ابن مسعود - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 4423 ) في المغازي ، باب : نزول النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - الحجر ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - . ( 3 ) سورة آل عمران : 31 . ( 4 ) سورة آل عمران : 31 . ( 5 ) سورة آل عمران : 31 .