الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
567
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
- صلى اللّه عليه وسلم - ، لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ « 1 » ثم قال : وما هو : أي وما صاحبكم بمتهم وبخيل فنفى سبحانه عن رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ذلك كله ، وزكى سند القرآن أعظم تزكية . واللّه يقول الحق وهو يهدى السبيل . وقال تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ ( 39 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ « 2 » الآية . أقسم تعالى بالأشياء كلها ، ما يبصرون منها وما لا يبصرون ، وهذا أعمّ قسم وقع في القرآن ، فإنه يعم العلويات والسفليات ، والدنيا والآخرة ، وما يرى وما لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق ، وذلك من آيات قدرته وربوبيته ، ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ، وأن ما جاء به هو من عند اللّه تعالى وهو كلامه تعالى ، لا كلام شاعر ولا مجنون ، ولا كاهن ، وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق ، كما قال تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ « 3 » فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن القرآن حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود ، ويكفى الإنسان من جميع ما يبصره « نفسه » ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهد من أحواله ظاهرا وباطنا ، ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب سبحانه وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم يخالط بشاشة الإيمان قلبه . ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله ، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله ، وأنه لو تقول عليه وافترى لما أقره ولعاجله بالإهلاك ، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه ، وأضل عباده
--> ( 1 ) سورة التكوير : 22 . ( 2 ) سورة الحاقة : 38 - 40 . ( 3 ) سورة الذاريات : 23 .