الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

568

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم ، فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأقدر القادرين أن يقر على ذلك ، بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم ، فيسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم وبلادهم ونساءهم قائلا إن اللّه أمرني بذلك ، وأباحه لي ؟ بل كيف يليق به أن يصدق بأنواع التصديق كلها ، فيصدقه بإقراره ، وبالآيات المستلزمة لصدقه ، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها ، فكل آية على انفرادها مصدقة له ، ثم يقيم الدلائل القاطعة على أن هذا قوله وكلامه ، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله ، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل ، وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك . والمراد بالرسول الكريم هنا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - كما قدمته - لأنه لما قال : إنه لقول رسول كريم ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن ، والمشركون ما كانوا يصفون جبريل - عليه السّلام - بالشعر والكهانة . ومن ذلك قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 1 » . قيل المراد ب « الكتاب المكنون » اللوح المحفوظ . قال ابن القيم : والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة ، وهو المذكور في قوله تعالى : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ « 2 » قال مالك : أحسن ما سمعت في هذه أنها مثل الذي في « عبس » ، قال : ومن المفسرين من قال : إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر ، والأول أرجح لأن الآية سيقت تنزيها للقرآن أن تتنزل به الشياطين ، أن محله لا تصل إليه ، كما قال تعالى : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ « 3 » وأيضا :

--> ( 1 ) سورة الواقعة : 75 - 79 . ( 2 ) سورة عبس : 13 - 16 . ( 3 ) سورة الشعراء : 210 ، 211 .